محمد البشير بروحو: مهنة المحاماة بين الاستقلال المهني ومتطلبات السوق القانونية الدولية: تحليل مقارن لمشروع القانون 66.23

الأستاذ الدكتور محمد البشير بروحو محام بهيئة طنجة
حاصل على ماستر في القانون (L.L.M.)
دكتوراه في العلوم القانونية (J.S.D)
من كلية توماس جيفرسون للقانون بالولايات المتحدة الامريكية
ترتكز ممارسته المهنية على الربط بين القانون المغربي والنظام الانجلو امريكي (Common Law)
مع تركيز خاص على قانون الاعمال الدولي، وقانون الشركات العابرة للحدود، والتحكيم التجاري والاستثماري، وقضايا الإصلاح القانوني في ضوء المقاربات المقارنة.
الملخص
يشكل مشروع قانون مهنة المحاماة المغربي رقم 66.23 منعطفا تشريعيا مهما في مسار تنظيم المهنة، ولا سيما من خلال اقراره في المادة 26 إمكانية ابرام “عقود تعاون” بين المحامين المغاربة ومحامين او شركات مهنية اجنبية. وتهدف هذه الدراسة الى تحليل الخلفيات القانونية والاقتصادية لهذا التوجه، وتفكيك مفهوم “عقد التعاون” من زاوية قانونية مقارنة، مع تقييم مدى انسجامه مع مبدأ استقلال مهنة المحاماة واحتكارها، في ضوء التجارب الفرنسية والأنجلو أمريكية ونماذج الممارسة القانونية العابرة للحدود (Multijurisdictional Practice ).[1]
كما تتناول هذه الدراسة علاقة هذا الاختيار التشريعي بجاذبية الاستثمار، وتطور سوق المال وانشاء المركز المالي بالدار البيضاء، ومتطلبات الفاعليين الاقتصاديين الدوليين. وتخلص الدراسة الى ان الاشكال لايمكن في مبدأ الانفتاح في حد ذاته، وإنما في غياب إطار تنظيمي دقيق يحول هذا الانفتاح الى انفتاح منضبط، على غرار ما كرسته القاعدة 5.5 من قواعد السلوك المهني النموذجية لجمعية المحامين الامريكية،[2] بما يضمن تحديث المهنة دون المساس باستقلالها وسيادتها المؤسسية.
المقدمة
لم تعد مهنة المحاماة، في ظل العولمة الاقتصادية وتسارع المعاملات العابرة للحدود، مجرد وظيفة قضائية تقليدية مرتبطة حصريا بالتقاضي بل أصبحت عنصرا بنيويا في منظومة جذب الاستثمار، وحوكمة الاعمال، وتمويل المشاريع الكبرى، وتسوية المنازعات الدولية، ولا سيما عبر التحكيم والوساطة العابرة للحدود،[3] وفي هذا السياق المتطور والمتغير، يندرج مشروع قانون مهنة المحاماة المغربي رقم 66.23 ضمن مسار تشريعي يروم تحديث الإطار المنظم للمهنة وملاءمته مع التحولات الاقتصادية والمؤسساتية التي يعرفها المغرب.
غير ان هذا المشروع، وانطلاقا من المادة 26 منه، موضوع هذه الدراسة، يثير نقاشا مهنيا وقانونيا واسعا، بالنظر الى ما تحمله من مفاهيم جديدة، وعلى راسها مفهوم “عقد التعاون” وما يطرحه ذلك من إشكالات تتعلق بحدود الانفتاح، واستقلالية المهنة، ومخاطر الاختراق غير المباشر لمبدأ احتكار ممارسة المحاماة. وهي إشكالات سبق ان أثبرت في تجارب مقارنة عند تحرير سوق الخدمات القانونية.[4]
وانطلاقا من موقع الباحث كمحام ممارس بالمغرب، واطلاعه بحكم تكوينه الأكاديمي على نماذج ممارسة قانونية مقارنة، ولا سيما النظام الأمريكي، اعتمدت هذه الدراسة مقاربة تحليلية. مقارنة تروم استثمار التجربة المقارنة في تقييم مشروع قانون مهنة المحاماة المغربي رقم 66.23، وذلك دون ادعاء أفضلية نموذج قانوني على اخر، وبهدف استجلاء السبل الكفيلة بالتوفيق بين متطلبات الانفتاح القانوني الدولي وضمانات استقلال مهنة المحاماة في السياق المغربي.
الإطار المنهجي للدراسة
تنطلق هذه الدراسة من تساؤل إشكالي مركزي مفاده: الى أي حد يمكن لمشروع القانون رقم 66.23 ان يوفق بين متطلبات العولمة القانونية وجاذبية الاستثمار، وبين الحفاظ على استقلال مهنة المحاماة ووظيفتها الدستورية، دون إفراغ مبدأ استقلال واحتكار المهنة من مضمونهما؟
وتعتمد هذه الدراسة منهجا تحليليا مقارنا وظيفيا يستند الى تحليل النصوص، ومقارنة التجارب الأجنبية ولا سيما الانجلو أمريكية والفرنسية، مع اعتماد مقاربة نقدية وظيفية تنحو الى تقييم الأثر العملي للنصوص بدل التوقف عند صياغتها الشكلية،[5] مع اقتراح حلول تشريعية قابلة للتنزيل في السياق المغربي.
المبحث الأول: أهداف المشروع المغربي من المادة 26 من مشروع القانون رقم 66.23
أولا: الأهداف المعلنة
يفهم من وثائق المقدمة والخطاب التشريعي المصاحب لمشروع القانون 66.23 في المادة 26 منه ان المشرع المغربي يروم تحديث مهنة المحاماة، وتحسين جودة الخدمات القانونية، ورفع مستوى التكوين والكفاءة المهنية، بما ينسجم مع متطلبات العدالة الناجعة وتعزيز مناخ الاعمال. وهنا تجدر الإشارة الى ان هذا المشروع يهدف بشكل صريح أو ضمني، الى تعزيز جاذبية المغرب للاستثمار الوطني والاجنبي، من خلال توفير بيئة قانونية أكثر احترافية وقدرة على التعامل مع مختلف المعاملات التي تزداد تعقيدا وتطورا يوما بعد يوم، وهو توجه يتماشى مع توصيات المؤسسات الدولية بشأن دور الخدمات القانونية في التنمية الاقتصادية. [6]
ثانيا: الأهداف الضمنية وسياقاتها الاقتصادية والاستثمارية
يندرج هذا المشروع ضمن استراتيجية أوسع تروم إدماج المغرب في السوق القانونية الدولية. ويبرز هذا التوجه بوضوح في الخطاب السياسي والمؤسساتي المصاحب لإصلاح المهن القانونية، ويعزز هذا الفهم تصريحات وزير العدل بشأن شروط الولوج الى مهنة المحاماة، ولا سيما الإصرار على ضرورة تحقيق مستوى أكاديمي مرتفع، وإتقان اللغات الأجنبية، والقدرة على إنتاج أبحاث قانونية متعددة اللغات، وهي مؤشرات واضحة على رغبة المشرع في إعادة تشكيل صورة المحامي المغربي كفاعل قانوني مندمج في الفضاء القانوني الدولي.
وباعتبار هذا السياق، لايمكن فصل مشروع قانون المحاماة عن مشاريع الدولة المغربية وتوجهاتها الاستثمارية الكبرى والطموحة وطنيا ودوليا ومن ضمنها تأسيس المركز المالي للدار البيضاء Casablanca Finance City (CFC) والذي يهدف الى جعل الدار البيضاء مركزا ماليا إقليميا. هذا المشروع لا يقوم فقط على الإطار الجبائي او المالي، بل يتطلب وجود منظومة قانونية متقدمة، قادرة على مواكبة التمويل الدولي والاندماجيات، والإستحوذات، والتحكيم التجاري الدولي.[7] ومن ثم، فإن تعديل قانون المحاماة يشكل حلقة أساسية في سلسلة إصلاحات أوسع وطموح أكبر.
ومن هذا يبرز السؤال الجوهري الذي يظل مطروحا: هل محامو المغرب مستعدون لهذا التحول؟
الجواب يقتضى التمييز بين الاستعداد الفردي والاستعداد المؤسساتي فبينما توجد كفاءات مغربية قادرة على التكيف مع هذه المتطلبات، فإن الجسم المهني ككل لايمكن ان يطالب بالقفز نحو نموذج دولي دون القيام بالخطوات التالية:
– إصلاح منظومة التكوين المستمر،
– إعادة النظر في التنظيم المهني.
– توفير بيئة مؤسساتية داعمة للمكاتب المتوسطة والصغيرة.
كما تجب الإشارة، بالإضافة الى ذلك، أن قانون المحاماة رغم أهميته لا يمكنه وحده سد هذا “الفراغ الاستثماري القانوني” إذ تظل هناك قوانين أخرى تحتاج الى مراجعة متزامنة لا تحتمل التأخير ولا التأجيل مثل:
– قانون التحكيم والوساطة الاتفاقية.
– قانون الشركات، ولا سيما فيما يتعلق بحوكمة الشركات والصفقات الكبرى.
– قانون الصرف والاستثمار.
– النصوص المنظمة للخدمات القانونية العابرة للحدود.
وبذلك يتعين القول ان تعديل قانون المحاماة، رغم أهميته لا يمكنه وحده تحقيق هذه الأهداف، ما لم تواكبه إصلاحات تشريعية متزامنة تشمل قانون التحكيم والوساطة، وقانون الشركات، وقواعد حوكمة الاستثمار، كما تؤكد ذلك دراسات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD.[8]
المبحث الثاني: “عقد التعاون” بين الغموض الاصطلاحي والحاجة الى تقنين الممارسة العابرة للحدود
هذا المصطلح المستحدث “عقد التعاون” لا يشكل عقدا مسمى في قانون الالتزامات والعقود او في القوانين المهنية، ولا يستند الى تأصيل فقهي واضح، ولذلك يمكن القول ان هذا الغموض ليس محايدا، بل يؤدي وظيفة تشريعية محددة، تتمثل في خلق هامش مرونة معتبرة ومقصودة يسمح بإدخال فاعلين قانونيين أجانب الى المجال المهني، دون الاعتراف الصريح لهم بممارسة مهنة المحاماة داخل المغرب. وهنا ينبغي التنبيه الى ان هذه المرونة، أذا لم تضبط، قد تتحول الى مدخل لممارسة غير مباشرة للمهنة من طرف شركات او مكاتب أجنبية عبر أليات الاستشارة أو “الدعم التقني”، أو إعادة توطين الخدمات القانونيةLegal Outsourcing) ).
ويظهر التحليل المقارن ان هذا الاشكال ليس خاصا بالمغرب، بل عالجته أنظمة قانونية أخرى من خلال تقنين دقيق لمفهوم
Multijurisdictional Practice (MJP). وقد أظهرت التجارب المقارنة ان هذا الغموض شكل مدخلا لإشكالات مماثلة في عدة ولايات أمريكية قبل تقنين الممارسة القانونية العبارة للحدود.[9]
محورية القاعدة 5.5 من قواعد ABA في تنظيم الممارسة القانونية العابرة للحدود
يعد (Rule 5.5 of the ABA Model Rules of Professional Conduct) المعيار الدولي الأبرز لتنظيم الممارسة القانونية العابرة للحدود،[10] اذ يقوم على مبدأ جوهري مفاده: “منع الممارسة غير المرخصة للقانون، مع السماح بانفتاح منضبط مشروط بالارتباط الفعلي بمحام محلي مرخص، يكون مسؤولا مهنيا وتأديبيا عن الخدمات المقدمة.”[11]
وتفرض هذه القاعدة حصر نطاف تدخل المحامي الأجنبي، واشتراط الارتباط بمحام محلي مرخص له مع تحميل هذا الأخير مسؤولية مهنية وتأديبية أساسية، بوصفه ” القائم على البوابة” Gatekeeper.
وفي هذا السياق وفي إطار هذا النموذج يناط بالمحامي المغربي دور القائم على البوابة، أي الفاعل المهني المسؤول عن تنظيم ولوج الممارسة القانونية الأجنبية الى السوق الوطنية، وضمان خضوعها للضوابط المهنية والتأديبية، بما يحول دون أي ممارسة غير مرخصة لمهنة المحاماة، وقد تم اعتماد هذا الوصف من طرف أنظمة قانونية تفاديا لتحول المكاتب الوطنية الى مجرد واجهات خدماتية وتشغيلية للشركات القانونية الأجنبية. [12]
وتبعا لذلك يبرز هذا الدور الوظيفي للمحامي المحلي تصورا متطورا وحديثا للاستقلال المهني، لا يقوم على الانغلاق بل على تحمل المسؤولية والتنظيم الذاتي، وهو التصور الذي تبنته عدة أنظمة قانونية لتفادي اثار تحرير غير منضبط لسوق الخدمات القانونية.
المبحث الثالث: المقترح التشريعي المطور للمادة 26 في ضوء التجارب المقارنة
المادة 26 (صيغة معدلة ومقترحة)
يمكن للمحامي او الشركة المهنية للمحاماة ابرام “عقود تعاون” مع محامين أجانب او شركات مهنية أجنبية شريطة التقييد بالضوابط التالية المستمدة من المعايير الدولية للممارسة القانونية العابرة للحدود:
1- حصر نطاق الممارسة (Limited Scope): يقتصر عمل الطرف الأجنبي على تقديم الاستشارات في قانون دولته الاصلية، او القانون الدولي، او القضايا ذات الطبيعة العابرة للحدود، ويحظر عليه ممارسة الأنشطة المحفوظة للمحامي المغربي، ولا سيما الترافع او تقديم الاستشارة في القانون الوطني.
2– الارتباط المهني (Association Requirement) : لا يجوز للمحامي الأجنبي تقديم خدماته داخل المملكة الا من خلال ارتباط فعلي ونشط بمحام او مكتب مغربي مسجل في جدول المحامين، يكون مسؤول أولا وأخيرا امام الموكل والهيئة.
3- الرقابة المؤسساتية: يودع عقد التعاون لدى مجلس الهيئة المختص للمصادقة عليه داخل أجل محدد.
4– النظام التأديبي: يخضع المحامي الأجنبي للنظام التأديبي المغربي بخصوص الأعمال المنجزة داخل التراب الوطني.
5- الشفافية اتجاه الموكل: يجب إعلام الموكل كتابة بطبيعة عقد التعاون وحدود المسؤوليات المهنية.
هذه الصيغة تظهر ان استلهام مبادئ القاعدة 5.5 يسمح بإرساء انفتاح منضبط يحافظ على المرونة المطلوبة للتعاون الدولي، دون التفريط في حماية استقلالية لمهنة المحاماة على غرار ما كرسته الأنظمة الامريكية والفرنسية والكندية[13]، وبذلك تتحقق الأهداف المرجوة من هذه المادة.
المبحث الرابع: نحو نموذج مغربي هجين بين النظامين المدني والأنجلو أمريكي
يتميز النظام الأنجلو أمريكي بمرونة عالية وجاذبية استثمارية قوية، لكنه اقل صرامة في حماية استقلال المهنة، بينما يتميز النظام المدني بصلابة قيمية ومؤسساتية أكبر مقابل بطء نسبي في التكيف[14]. ويبدو ان الحل الأمثل للمغرب يكمن في تبني نموذج هجين، يستلهم المرونة الامريكية، كما كرستها القاعدة 5.5 مع الحفاظ على الحماية السيادية للمهنة، والضمانات التأديبية والمؤسساتية المستمدة من تقاليد راسخة في فلسفة النظام المدني[15] على غرار التجربة الفرنسية.
الخاتمة
خلاصة القول في مشروع القانون رقم 66.23 المادة 26 انه يعكس خيارا استراتيجيا للانفتاح على السوق القانونية الدولية، غير ان نجاح هذا الخيار يظل رهينا بالانتقال من الغموض التشريعي الى التقنيين الدقيق. وكما أشرنا أعلاه فإن هذا التحليل المقارن يبرز ان إدماج مبادئ مستوحاة من القاعدة 5.5 لقواعد السلوك المهني الامريكية يمكن المشرع المغربي من تحقيق توازن فعلي بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي وحماية استقلال مهنة المحاماة، دون تحويل المحامي المغربي الى مجرد وسيط محلي في منظومة قانونية معولمة لا تحمد عقباها.[16]
وان نجاح مشروع القانون رقم 66.23 كخيار استراتيجي لانفتاح على السوق القانونية يظل مشروطا بإعادة ضبط مفهوم “عقد التعاون” وإخضاعه لضمانات تشريعية ومؤسساتية واضحة، تكفل تحديث مهنة المحاماة دون المساس بجوهر استقلالها ووظيفتها الدستورية. فالرهان الحقيقي لا يكمن في استنساخ نماذج أجنبية، بل في بناء نموذج مغربي متوازن، قادر على التفاعل مع العولمة القانونية دون الذوبان فيها.
[1] Laurel S. Terry, Regulating Lawyer Globalization, 80 Fordham L. Rev. 1685 (2012).
[2] ABA Comm’n on Ethics & Prof’l Responsibility, Model Rules of Professional Conduct r. 5.5 (Am. Bar. Ass’n 2023)
[3] John Flood, Globalization and the Legal Profession, Int’l J. Legal Prof. (2011)
[4] OECD, Legal Services Trade and Regulation (OECD Publ’g 2020)
[5] Terry, supra note 1, at 1690–1702
[6] World Bank, Doing Business 2020
[7] Casablanca Finance City Auth., Legal Framework and Financial Attractiveness (2022)
[8] OECD, Investment Policy Reviews: Morocco (2021)
[9] Laurel S. Terry & Veronica L. Taylor, Cross-Border Legal Practice, 23 Geo. J. Legal Ethics 101 (2010)
[10] American Bar Association – ABA
(جمعية المحامين الأمريكية) هي منظمة مهنية وطنية للمحامين بالولايات المتحدة الأمريكية، تأسست سنة 1878، وتُعد المرجع الأساسي في وضع قواعد السلوك المهني النموذجية التي تعتمدها او تستأنس بها معظم الولايات الأمريكية كما تُستعمل مرجعًا مقارنًا دوليًا في تنظيم أخلاقيات المهنة
Model Rules of Professional Conduct
[11] ABA Model Rules of Prof’l Conduct r. 5.5(c) (Am. Bar Ass’n 2023)
[12] Terry, supra note 1
[13] Conseil National des Barreaux (France), Rapport sur l’internationalisation de la profession d’avocat
[14] Flood, supra note 3
[15] OECD, supra note 4
[16] Terry, supra note 1
