التراجع الوظيفي لمبدأ القوة الملزمة للعقد

خرموشي حمزة باحث في العلوم القانونية
لائحة المختصرات:
| ق ل ع | قانون الإلتزامات والعقود |
| م س | مرجع سابق |
| ص | الصفحة |
| ط | الطبعة |
| ق م س | قانون المسطرة المدنية |
| ج | الجزء |
| ع | العدد |
| ظ ل ع | ظهير الإلتزامات والعقود |
مقدمة:
يهدف الأفراد إلى إبرام العقود إلى تحقيق مصالحهم الاقتصادية والإجتماعية في حدود النظام العام والأداب العامة[1].
ونظرا لأهميته في تنظيم العلاقات بين الأفراد، فقد اهتمت الشريعة الإسلامية بالعقد فحثت على وجوب الوفاء به مصداقا لقوله عزوجل في كتابه العزيز: ” وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم[2]“، وقوله تعالى:” يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود[3]“.
فإذا نشأ العقد صحيحا مستوفيا للشروط والأركان المتطلبة قانونا، ونشأ وفق إرادة المتعاقدين، ترتبت عليه اثار يضفي عليها القانون قوة الإلزام، وهو ما يعرف بالقوة الملزمة للعقد.
ويشكّل مبدأ القوة الملزمة للعقد أحد الركائز الأساسية التي قامت عليها النظرية التقليدية للالتزامات، باعتباره الأثر المباشر لمبدأ سلطان الإرادة[4] الذي جعل من العقد شريعة للمتعاقدين، لا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الأطراف أو بنص القانون، وهو ما عبرعنه المشرع المغربي في الفصل 230 من ق ل ع : ” الإلتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون .”
وعليه، قد ساهم هذا المبدأ لزمن طويل في توفير قدر كبير من الأمن التعاقدي واستقرار المعاملات، خاصة في ظل بساطة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تسود آنذاك.
غير أنّ التحولات العميقة التي شهدتها المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، وظهور أنماط جديدة من التعاملات يغلب عليها عدم التوازن بين الأطراف، ولاسيما بين المهني والمستهلك، أدّت إلى بروز قصور واضح في النموذج التقليدي، وإلى اهتزاز مكانة القوة الملزمة للعقد باعتباره مبدأً مطلقاً. وقد وجد الشارع المغربي نفسه أمام ضرورة إعادة صياغة العلاقة التعاقدية بما يضمن تحقيق العدالة التعاقدية إلى جانب حماية حرية التعاقد، وذلك عبر إدخال قيود جديدة على هذا المبدأ سواء داخل قانون الالتزامات والعقود أو من خلال تشريعات خاصة مثل قانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير حماية المستهلك، وقانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
وغني عن البيان، أن موضوع التراجع الوظيفي لمبدأ القوة الملزمة للعقد يكتسي أهمية بالغة تبرز في كونه يمس جوهر النظرية العامة للعقد، ويكشف مدى قدرة النصوص القانونية على التكيف مع واقع اقتصادي سريع التطور، خاصة مع ظهور عقود الإذعان، العقود الاستهلاكية، وتزايد تدخل القانون في ضبط العلاقة التعاقدية. كما تتجلى أهمية الدراسة في كونها تلامس تقاطعاً بين قانون الالتزامات والعقود والقوانين الاقتصادية، مثل قانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، والقانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، اللذين أسهما في الحد من إطلاق مبدأ القوة الملزمة للعقد عبر منح القاضي سلطات جديدة في مراقبة ومراجعة الشروط التعاقدية.
من خلال ما سلف، وبعد ملامسة لأهمية الموضوع تبرز إشكالية جوهرية مفادها:
إلى أي حد أسهمت تدخلات المشرع المغربي، سواء عبر قانون الالتزامات والعقود أو عبر التشريعات الخاصة، في إحداث تراجع ملموس لمبدأ القوة الملزمة للعقد، بغية إعادة التوازن للعلاقات التعاقدية دون المساس بجوهر حرية التعاقد؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات الفرعية وهي على الشكل التالي:
- ما هي أبرز مظاهر التراجع عن القوة الملزمة للعقد داخل قانون الالتزامات والعقود، لاسيما على مستوى مهلة الميسرة ومراقبة الشرط الجزائي؟
- وكيف تكرس هذا التراجع من خلال التشريعات الخاصة، وخصوصاً قانون حماية المستهلك وقانون حرية الأسعار والمنافسة؟
- وهل نجحت هذه التدخلات في تحقيق عدالة تعاقدية أم أنها أفرزت صعوبات جديدة تمس استقرار المعاملات؟
للإجابة عن التساؤلات السابقة والإحاطة بكل جوانب الموضوع، تم إعتماد التصميم التالي:
المبحث الأول: حدود القوة الملزمة للعقد في قانون الإلتزامات والعقود بين منح مهلة الميسرة ومراجعة الشرط الجزائي.
المبحث الثاني: تراجع القوة الملزمة للعقد في ظل التشريعات الخاصة
وكما سبق أن أشرنا سابقا، فإنه ولاعتبارات متعددة فقد أصبحت معظم التشريعات المعاصرة تتدخل رويدا رويدا قصد التخفيف من حدة مبدأ القوة الملزمة للعقد، لغاية تحقيق العدالة تارة وضمان التوازن العقدي تارة أخرى، لذلك أصبح المشرع يمنح هامشا للقاضي للتدخل لتعديل العقد، وهو ما سنتطرق له.
المبحث الأول: حدود القوة الملزمة للعقد في قانون الإلتزامات والعقود بين منح مهلة الميسرة ومراجعة الشرط الجزائي.
من خلال ظهير غشت 1913، يتبين أن القوة الملزمة للعقد ليست مبدأً مطلقاً، إذ قيّدها المشرع بعدة آليات تسمح للقاضي بالتدخل مراعاةً لظروف التنفيذ وتحقيقاً للتوازن العقدي. ويبرز ذلك بشكل أساسي من خلال كل من مهلة الميسرة ( المطلب الأول) التي تُمنح للمدين المعسر، وسلطة مراجعة الشرط الجزائي ( المطلب الثاني) كلما كان غير متناسب مع الضرر، مما يجعل هاتين المؤسستين من أبرز مظاهر الحد من صرامة إلزامية العقد المنصوص عليها في ظ ل ع.
المطلب الأول: مهلة الميسرة وأثره في الحد من إلزامية العقد.
يُعدّ تدخل القاضي لتمتيع المدين بمهلة الميسرة[5] من أهم الآليات التي تكرّس البعد الإنساني والإجتماعي لنظام الالتزامات في القانون المغربي، وتُجسِّد في الآن نفسه تراجعاً نسبياً لمبدأ القوة الملزمة للعقد. فقد خوّل المشرع المغربي للقاضي، بمقتضى الفصل243[6] من قانون الالتزامات والعقود، سلطة منح المدين أجلاً إضافياً أو السماح له بتنفيذ التزامه على أقساط، متى أثبت أن ظروفه المادية الطارئة حالت دون التنفيذ في الأجل المتفق عليه، شريطة ألا يلحق هذا التمديد ضرراً جسيماً بالدائن.
وتظهر أهمية هذه السلطة في كونها تُتيح للقاضي تعديل أجل الوفاء رغم مخالفته لما اتفق عليه أطراف العقد، وهو ما يشكل استثناءً من قاعدة “العقد شريعة المتعاقدين”. ومع ذلك فإن استعمال مهلة الميسرة يظل محكوماً بسلطة تقديرية دقيقة تقوم على موازنة وضعية المدين الذي يواجه ظرفاً استثنائياً، وبين مصلحة الدائن الذي لا ينبغي أن يُفتَح له باب الإضرار بحقوقه.
وبمقتضى المادة 165[7] من قانون المسطرة المدنية، يجوز لرئيس المحكمة الإبتدائية كقاضي للأمور المستعجلة منح المدين أجل للوفاء بدينه المحكوم عليه بمقتضى مسطرة الأمر بالاداء المرفوعة عليه بناء على دين مثبت في سند ومحدد من حيث تاريخ الأداء والإستحقاق.
وبذلك، تُعدّ مهلة الميسرة تجسيداً لاتجاه معاصر يروم تحقيق العدالة في العلاقات التعاقدية دون المساس بالاستقرار العام للمعاملات.
وانطلاقاً من هذا التوجه، راعى المشرّع الحالات الطارئة والأزمات الاقتصادية التي قد تعترض المدين وتؤدي إلى إعساره، الأمر الذي دفعه إلى تخويل القاضي إمكانية تعديل بعض شروط العقد عبر منح مهلة الميسرة، وذلك وفق الشروط التالية[8]:
- أن تفرض وضعية المدين وحالته الاقتصادية إعطاء مهلة ميسرة.
- ألا يصاب الدائن بضرر فادح يستعصي تداركه في الواقع نتيجة تخويل المدين مهلة للوفاء.
- ألا يوجد نص قانون يمنع في الحالة موضوع النزاع على القاضي تخويل المدين مهلة ميسرة لاعتبارات معينة.
- أن يكون الأجل المخول للمدين أجل معقول.
وإذا كان منح مهلة الميسرة يشكّل إحدى الآليات التي خففت من إلزامية العقد مراعاةً لظروف المدين أثناء مرحلة التنفيذ، فإن المشرع لم يقف عند هذا الحد، بل أقرّ آلية أخرى تمسّ جوهر الجزاء المترتب عن الإخلال بالالتزام، وذلك من خلال تمكين القاضي من مراجعة الشرط الجزائي كلما تبيّن له عدم تناسبه مع الضرر اللاحق. وبذلك ينتقل الحدّ من صرامة العقد من مستوى التأجيل المؤقت للتنفيذ إلى مستوى التدخل في مضمون التعويض نفسه، وهو ما يشكل مظهراً إضافياً لتراجع مبدأ القوة الملزمة للعقد وهو سنتعرف عليه في المحور الموالي.
المطلب الثاني : سلطة القاضي في تعديل الشرط الجزائي كقيد على القوة الملزمة للعقد.
لقد نظم المشرع المغربي مقتضيات الشرط الجزائي[9] في الفصل 264 من قانون الإلتزامات والعقود في باب عدم تنفيذ الإلتزامات وأثاره من الفرع الأول المعنون بمطل المدين التي خولت لأطراف العلاقة التعاقدية التصرف بحرية في اشتراط ما شاؤوا من بنود العقد, إذ جاء في الفقرة الثانية من نفس الفصل ما يلي:
” يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على التعويض عن الأضرار التي تلحق الدائن من جراء عدم الوفاء بالإلتزام الأصلي كليا أو جزئيا أو التأخير في تنفيذه “.
غير أنّ القضاء المغربي، قبل تعديل الفصل 264 من ق ل ع ، لم يكن يجد سندًا تشريعيًا صريحًا يتيح له التدخل لتعديل الشرط الجزائي أو مراجعته، بل كان دائما يصطدم بمبدأ سلطان الإٍرادة الذي يغل يده عن أي مراجعة لبنود العقد وهو الوضع الذي لم يكن للعمل القضائي فيه سبيل إلى تحقيق العدالة التعاقدية .مما أدى إلى تضارب في الاتجاهات القضائية بين محاكم ترى في الشرط الجزائي تعبيرًا خالصًا عن القوة الملزمة للعقد يجب احترامه كما اتفق عليه الأطراف، وبين محاكم أخرى كانت تجتهد لتعديل مبالغ التعويض متى ثبت لها تجاوزها لحدود المعقول أو انطواؤها على تعسف من جانب الدائن. هذا التباين كشف عن فراغ تشريعي وعن صعوبة الملائمة بين احترام الإرادة التعاقدية وبين ضرورة حماية الطرف الضعيف ومنع استغلال الشرط الجزائي كوسيلة ضغط[10].
وهكذا ظل التعويض الإتفاقي لفترة طويلة يخضع لمبدأ سلطان الإرادة المكرس في الفصل 230 من ق ل ع، الذي بمقتضاه لا يجوز تعديل العقد أو إلغائه إلا بإتفاق طرفيه أو في حالات يحددها القانون، فبقي القضاء يطبق ما أملته إرادة الأطراف إلى أن حانت ساعة التغيير الجوهري بتدخل القضاء لتعديل الشرط الجزائي لإقرار التوازن العقدي وتحقيق العدالة وللإنصاف بين المتعاقدين، الذي توج بالتدخل التشريعي الذي عدل وتمم الفصل 264 من ق ل ع بمقتضى قانون 27.95[11].
ويتضح جلياً من خلال فحص مقتضيات هذا التعديل أنّ المشرع المغربي قد تدخل لكبح الحرية التعاقدية والانتقاص من سلطان الإرادة، مما يشكل مساساً ضمنياً بمبدأ القوة الملزمة للعقد، وذلك بمنح القاضي صلاحية تعديل قيمة التعويض الاتفاقي، سواء برفعه إذا كان هزيلاً ولا يحقق جبر الضرر، أو بتخفيضه إذا كان مبالغاً فيه ويتجاوز الحدود المعقولة.
والعلة في التدخل هي المبالغة لأنه بالرجوع إلى الفقرة الثالثة من الفصل 264 نجد أن المشرع المغربي أطلق لفظا “مبالغا فيه” لتخفيض التعويض الإتفاقي، ومعظم القوانين[12] متفقة على ذلك وإن اختلفت تعبيراتها، لكن ما تؤاخذ عليه جل التشريعات أنها لم تحدد درجة المبالغة، مما يفتح المجال أمام القاضي لإعمال سلطته التقديرية وتحديد درجة المبالغة وذلك يختلف من قضية إلى أخرى[13].
المبحث الثاني: تراجع القوة الملزمة للعقد في ظل التشريعات الخاصة
بالرجوع الى التشريعات الخاصة يستشف أنّ المشرّع لم يَعُد يكتفي بحدود التوازن العقدي التي تضمنها القواعد العامة، بل اتجه إلى إقرار آليات خاصة تحدّ من سلطان الإرادة متى تعلق الأمر بعلاقات تعاقدية يغلب عليها عدم التكافؤ. وقد تجسّد هذا التوجّه من خلال توسيع سلطة القاضي في مواجهة الشروط المُجحفة أو الأوضاع التي قد تُخل بمبدأ المساواة التعاقدية، الأمر الذي يعكس انحساراً واضحاً في القوة الملزمة للعقد لفائدة حماية الطرف الضعيف. وفي هذا السياق، برز دور قانون حماية المستهلك، كما ظهرت مظاهر أخرى لهذا التراجع داخل قانون حرية الأسعار والمنافسة[14].
المطلب الأول: التراجع في ظل قانون حماية المستهلك 31.08
سيتم التطرق في هذا المطلب إلى مظاهر تراجع القوة الملزمة للعقد سواء من حيث الإمهال القضائي ( الفقرة لأولى) أو من خلال تعديل الشرط التعسفي ( الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : تدخل القاضي من خلال الإمهال القضائي
انطلق المشرع المغربي في تنظيمه لمؤسسة المهلة القضائية من القواعد العامة المقررة في ظهير الالتزامات والعقود، حيث منح للمدين المعسر إمكانية طلب أجل للوفاء بمقتضى الفقرة الثانية من الفصل 243 ، التي خولت للقاضي سلطة استثنائية وضيقة لمنح المدين آجالًا معتدلة مع وقف إجراءات المطالبة وإبقاء الوضع على ما هو عليه. غير أن هذه الآلية، التي صيغت في سياق اقتصادي واجتماعي بسيط سنة 1917، لم تعد كافية لمواجهة التحولات العميقة التي عرفها المغرب مع تطور الاقتصاد والصناعة وظهور أنماط جديدة من المعاملات، وعلى رأسها العقود الاستهلاكية التي تتميز باختلال واضح في مراكز الأطراف.
وقد أدى هذا التطور إلى المساس بمبدأ التوازن العقدي، الأمر الذي استدعى تدخل المشرع بإصدار القانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك، بهدف ضمان عدالة أكبر في العلاقات التعاقدية. ومن بين أهم المقتضيات التي أتى بها هذا القانون في علاقة بموضوعنا، مؤسسة الإمهال القضائي المنصوص عليها في المادة 149، اذ نص على مايلي:
” بالرغم من أحكام الفقرة 2 من الفصل 243 من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12) أغسطس (1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود، يمكن ولاسيما في حالة الفصل عن العمل أو حالة اجتماعية غير متوقعة أن يوقف تنفيذ التزامات المدين بأمر من رئيس المحكمة المختصة. ويمكن أن يقرر في الأمر على أن المبالغ المستحقة لا تترتب عليها فائدة طيلة مدة المهلة القضائية“.
ويمكن أن نعرفه أيضا على أنه الأجل الممنوح من القضاء للمدين الذي استحق دينه وأصبح خاضعا
لملاحقة دائنه[15] .
وبناء عليه، فان هذا المعطى يشكل خرقًا مقصودًا ومتعمدًا للقواعد العامة الواردة في ظهير الالتزامات والعقود وخاصة مبدأ القوة الملزمة للعقد، وذلك تعزيزًا لحماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية[16].
الفقرة الثانية: تدخل القاضي لتعديل الشروط التعسفية.
يُعتبر مبدأ القوة الملزمة للعقد أحد ركائز الأنظمة القانونية، الذي بموجبه تتحقق حماية الحرية التعاقدية التي تُعد من الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، وذلك من خلال مساهمته في استقرار المعاملات القانونية بين الأشخاص. غير أنّ التوجه الإيديولوجي الليبرالي للعالم، وما رافقه من انفتاح اقتصادي، أثّر على هذا النظام القانوني، وسرعان ما ظهرت سلبياته؛ إذ كثيراً ما يُستغل من طرف المهنيين الذين يتميزون بمراكز قانونية واقتصادية ومعرفية أقوى مقارنة بالمستهلك. ويتم ذلك من خلال تعمدهم إدراج بند أو أكثر يخدم مصالحهم ويرجّحها على حساب مصلحة المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية، مما يشكّل صورة من صور التعسف تحت درع قانوني يتمثل في مبدأ “العقد شريعة المتعاقدين”، ليتحول هذا المبدأ من وسيلة لحماية وضمان الحريات التعاقدية إلى أداة لتحقيق مآرب ومصالح شخصية غير مشروعة[17].
ومن هذا المنطلق، تدخل المشرع المغربي من خلال قانون حماية المستهلك، ومنح للقاضي صلاحية إلغاء الشروط التعسفية استناداً إلى المواد من 15 إلى 20 من القانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدابير حماية المستهلك. وقد عرّف المشرع في المادة 15 الشرط التعسفي[18] بأنه: “كل شرط يكون الغرض منه أو يترتب عليه اختلال كبير بين حقوق وواجبات طرفي العقد على حساب المستهلك”.
وبالرجوع إلى المواد السالفة الذكر من نفس القانون، يتضح أن المشرع المغربي، بالإضافة إلى تعريفه للشرط التعسفي، قد أدرج قائمة غير حصرية للشروط التي تُعتبر تعسفية[19]، تاركاً بذلك للقاضي سلطة تقديرية واسعة للقياس والبت فيما إذا كان الشرط المطروح يشكل تعسفاً أم لا، مع تحديد الجزاء المترتب عن ذلك.
ويُستشف من هذه المقتضيات أن قانون حماية المستهلك انطوى على مبدأ القوة الملزمة للعقد، بحيث أن المشرع المغربي تبنّى توجهاً حمائياً واضحاً يهدف إلى إعادة التوازن للعلاقات التعاقدية، ولاسيما تلك التي يكون فيها المستهلك الطرف الأضعف. فتمكين القاضي من الرقابة على مضمون العقد، والحكم بإبطال الشرط التعسفي أو تعديله، يشكّل تحولاً نوعياً عن الفلسفة التقليدية القائمة على إطلاق مبدأ سلطان الإرادة. إذ لم يعد دور القاضي يقتصر على تطبيق القواعد التعاقدية كما هي، بل أصبح مطالباً بالتدخل كلما تبيّن له أن المهني يستغل مركزه المتفوق لفرض شروط تضر بالمستهلك أو تجرده من حقوقه الأساسية. وبهذا، يرسّخ التشريع المغربي توجهاً حديثاً يقوم على الموازنة بين حرية التعاقد وحماية الطرف الضعيف، بما ينسجم مع التوجهات الدولية في مجال حماية المستهلك وتحقيق العدالة التعاقدية.
المطلب الثاني: محدودية القوة الملزمة للعقد في إطار القانون رقم 104.12.
تعد القوة الملزمة للعقد الآثر المترتب عند تنفيذ العقد فبما أن أطراف العقد ارتضوا عبر إرادة صريحة غير مشوبة بأي عيب أن يتعاقدوا وفق حرية تعاقدية فإنه لا محال يتعين عليهم تنفيذه وفق للقاعدة التي تقضي بكون العقد شريعة المتعاقدين وهو ما كرسه المشرع في الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود حيث نص على أنه:” الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة لمنشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون“.
كما أن للقضاء دور مهم في مؤسسة العقد، وذلك للوقاية والتصدي لكل الشوائب التي قد تصيب العقد سواء في مرحلة تكوينه أو تنفيذه، حيث منح له المشرع سلطة قصد التدخل في تنفيذ العقد ليعيد له التوازن لحماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية من أي تعسف وذلك تكريسا لمضمون العقد الذي يعد شريعة المتعاقدين.
وتأسيسا عليه، فإننا سوف نعالج هذا المطلب من خلال الوقوف عند أهم النقاط المتعلقة بمدى محدودية القوة الملزمة للعقد من خلال القانون رقم 104.12 في (الفقرة الأولى)، على أن نتطرق الى الحديث عن تدخل القضاء للحد من الشروط التعسفية المكرسة للالتزامات المشددة على المستهلك (الفقرة الثانية(..
الفقرة الأولى: محدودية القوة الملزمة للعقد من خلال القانون رقم 104.12
يعتبر مبدأ القوة الملزمة للعقد من المسلمات المرتبطة بمبدأ الحرية التعاقدية الذي يجد أساسه في مبدأ سلطان الإرادة أو ما يعرف بمبدأ السلطان الأكبر الإرادي[20]، والذي يجد أساسه في الفصل 230 من ق ل ع, إلا أن قانون حرية الأسعار والمنافسة قد انطوى على هذا المبدأ إذ نجد مناعته تذبذبت نوعا ما في ظله، على اعتبار أن القانون رقم 104.12 يحرص وبشكل أساسي على حسن سير السوق الاقتصادية.
ويتضح ذلك من خلال إمكانية الإدارة أن تتدخل مؤقتا لتعديل أسعار السلع والمنتوجات والخدمات التي تفاحش ارتفاعها أو انخفاضها نظرا لظروف اقتصادية أو وضعية غير متوقعة حصلت خلال الفترة الممتدة بين تاريخ التعاقد وتاريخ تنفيذ العقد.
الفقرة الثانية: تدخل القضاء للحد من الشروط التعسفية المكرسة للالتزامات المشددة على المستهلك
يلاحظ من خلال هذا القانون أن المشرع المغربي ساير نفس التوجه الذي سبق له أن كرسه بمقتضى قانون 31,08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك وذلك سواء من حيث التوسع في مدلول الشرط التعسفي أو من حيث صرامة الجزاء المترتب عنه[21].
وعليه وجد هذا المبدأ نفسه محاصر من خلال المواد 6 و7 و8 من نفس القانون رقم 104,12 الذي حضرت مجموعة من الأفعال والممارسات المنافية لقواعد المنافسة وشكلت بذلك محدودية هذا المبدأ الكلاسيكي وبل وأكثر من ذلك، قد أصبح كل اتفاق أو بند تعاقدي يتعلق بهذه الممارسة باطلا وهو ما نجده مكرس في المادة 10 من القانون رقم 104.12.
وهناك العديد من الحالات التي أثيرت أمام القضاء بخصوص هذا المبدأ وأغلب الاجتهادات القضائية دأبت نحو مراجعة بنود العقد بالرغم من نشوئه عبر تو افق حقيقي بين إرادتين حرتين من ذلك الاجتهاد القضائي الصادر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 18 فبراير 1998 الذي ” ألغى الشرط الذي التزم بمقتضاه الموزعين المرتبطين لمحطة البنزين برد براميل البترول إلى المحطة على حالتها عند انقضاء عقد الامتياز الذي يربطهم بالمحطة[22].
خاتمة:
وختاما، يتبيّن من خلال ما سلف أن مبدأ القوة الملزمة للعقد في التشريع المغربي، سواء من خلال القواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، أو من خلال التشريعات الخاصة من قبيل قانون حماية المستهلك وقانون حرية الأسعار والمنافسة، أنّ مبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” لم يعد اليوم مبدأً مطلقاً كما كان في ظل النظرية التقليدية للعقد، بل أصبح مبدأً مرناً يخضع لمجموعة من القيود التشريعية والقضائية التي تستهدف إعادة التوازن للعلاقات التعاقدية.
فالمشرّع المغربي، وعياً منه بتطور البيئة الاقتصادية والاجتماعية وتعقّد المعاملات، سمح للقاضي بالتدخل في مرحلة تنفيذ العقد عبر آليات متنوعة، من أهمها مهلة الميسرة و مراجعة الشرط الجزائي، وهي آليات تمثل انتقالاً واضحاً من منطق إطلاق الإرادة إلى منطق العدالة التعاقدية. أما في التشريعات الخاصة، فقد تعزز هذا التراجع ليبلغ مدى أوسع من خلال تمكين القضاء من إيقاف التنفيذ لفائدة المستهلك، وإبطال الشروط التعسفية، والتدخل لمواجهة ممارسات هيمنة السوق التي يقرّها قانون المنافسة.
إن هذا التطور التشريعي والقضائي يعكس توجهاً عاماً نحو حماية الطرف الضعيف وضمان استقرار المعاملات، دون التفريط في جوهر الحرية التعاقدية، مما يجعل العقد اليوم مؤسسة قانونية ذات طبيعة مزدوجة: فهو من جهة يستمد قوته من إرادة الأطراف، لكنه من جهة أخرى يخضع لرقابة تهدف إلى منع التعسف وضمان المساواة في العلاقة التعاقدية.
وبناءً عليه، يمكن القول إنّ القوة الملزمة للعقد لم تتراجع بقدر ما أعيد تشكيلها وفق فلسفة تقوم على التوفيق بين حرية التعاقد والعدالة التعاقدية، في إطار يمنح القاضي دوراً محورياً في فرض التوازن العقدي ودعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وإذا كان هذا البحث قد حاول تسليط الضوء على أهم مظاهر التراجع الذي طال مبدأ القوة الملزمة للعقد سواء في القانون العام أو في التشريعات الخاصة، فإن ذلك لا يمنع من طرح تساؤلات أعمق تتجاوز حدود الدراسة، وتفتح المجال لنقاش علمي أوسع حول مستقبل النظرية التعاقدية في التشريع المغربي. ومن بين هذه التساؤلات ما يلي:
إلى أي حدّ يمكن، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، إعادة النظر في مبدأ القوة الملزمة للعقد بصورة تتجاوز حدود التلطيف الجزئي الذي أدخله المشرع، نحو تبني تصور جديد يقوم على حماية اجتماعية موسعة للطرف الضعيف، دون الإضرار بالأمن التعاقدي واستقرار المعاملات؟
لائحة المنابع:
- د، عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الإلتزام بوجه عام، الإثبات – أثار الإلتزام، الجزء الثاني , منشورات الحلبي الحقوقية, لبنان. طبعة 1998.
- عبد الحق الصافي، الوجيز في القانون المدني – الجزء الأول- طبعة جديدة.
- – معاذ البراهمي: مبدأ سلطان الإرادة على ضوء التحولات الاقتصادية، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ، ط 2017 – 2018.
- رشيد خواضي – سلطة القاضي في ضمان استمرارية العلاقة التعاقدية.
- سعيد بوجناني – “الشرط الجزائي بين مطلب العدالة التعاقدية وهاجس تنفيذ ضمان تنفيذ الإلتزام ” – مقال منشور في الموقع الإلكتروني: https://maroclaw.com.
- إبراهيم البعلي – “دور القاضي في إعادة التوازن للتعويض الإتفاقي على ضوء القضاء المغربي والمقارن” – مقال منشور في الموقع الإلكتروني: https://maroclaw.com.
- المعزوز البكاي، “بعض مظاهر اضطراب النظرية العامة للعقد”، مجلة القانون المدني، العدد الثالث، 2016.
- نصير يوسف – تأثير الشرط التعسفي في تراجع مبدأ القوة الملزمة للعقد – مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية – المجلد 12، العدد 2،
- المهدي فتح الله – خصوصية الإمهال القضائي في القانون 08 – مقال منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية: https://www.droitetentreprise.com/21568
- سامي بديع، ” عنصر الثبات وعوامل التغيير في العقد المدني”، دار الفكر اللبناني، بيروت 2890.
- مصبح تميم – تأثير قانون حرية الأسعار والمنافسة على مبادئ الإلتزامات التعاقدية، مجلة الباحث للدراسات والأبحاث العلمية، العدد 71.
الفهرس:
[1] – رشيد خواضي – سلطة القاضي في ضمان استمرارية العلاقة التعاقدية – مجلة إضاءات في الدراسات القانونية – العدد 3، ص 1.
[2] – سورة النحل. الأية 91
[3] – سورة المائدة. الأية 1.
[4] – ويقصد بمبدأ سلطان الإرادة أن الفرد حر في التعاقد أو عدم التعاقد، وإذا قيد نفسه بالموافقة على العقد فهذا يكون عن اقتناع واختيار تامين، وقد عبر عنه الفقيه ( كونوGONOT) في أطروحته حول مبدأ سلطان الإرادة في القانون المدني بما يلي: “أنا لست ملزما بأي تصرف قانوني إلا إذا رغبت وفي الوقت الذي أريد، وبالكيفية التي أحبذها “. راجع مفهوم سلطان الإرادة على ضوء التحولات الاقتصادية – معاذ البراهمي: مبدأ سلطان الإرادة على ضوء التحولات الاقتصادية، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ، ط 2017 – 2018 ، ص “.
[5] الأجال الإسترحامي .
[6] – ينص الفصل 243 من ق ل ع على ما يلي: ” إذا لم يكن هناك إلا مدين واحد، لم يجبر الدائن على أن يستوفي الإلتزام على أجزاء، ولو كان هذا الإلتزام قابلا للتجزئة، وذلك مالم يتفق على خلافه…..
ومع ذلك يسوغ للقضاة، مراعاة منهم لمركز المدين، ومع استعمال هذه السلطة في نطاق ضيق، أن يمنحوه أجالا معتدلة للوفاء، وأن يوقفوا إجراءات المطالبة مع إبقاء الأشياء على حالها”.
[7] – انظر الفصل 165 من قانون المسطرة المدنية.
[8] – عبد الحق الصافي، الوجيز في القانون المدني – ج الأول- ص 286 وما بعدها ،
[9]– المشرع المغربي لم يعرف مؤسسة الشرط الجزائي كجل التشريعات المقارنة الأخرى.
عرفه الفقيه عبد الرزاق السنهوري بأنه: ” التعويض الذي يقوم بتقديره المتعاقدان مقدما بدل من تركه للقاضي والذي يستحقه الدائن إذا لم يقم المدين بتنفيذ إلتزامه, وهذا هو التعويض عن عدم التنفيذ أو على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا تأخر المدين في تنفيذ إلتزامه,وهذا هو التعويض عن التأخير”.
د، عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الإلتزام بوجه عام، الإثبات – أثار الإلتزام، الجزء الثاني , منشورات الحلبي الحقوقية, لبنان. طبعة 1998- ص875.
[10] – سعيد بوجناني – “الشرط الجزائي بين مطلب العدالة التعاقدية وهاجس تنفيذ ضمان تنفيذ الإلتزام ” – مقال منشور في الموقع الإلكتروني: https://maroclaw.com، تم الإطلاع عليه يوم الإثنين 1 دجنبر 2025 على الساعة 15:00.
[11] – ظهير شريف رقم 1.95.157 صادر في 13 ربيع الأول 1416 ( 11 أغسطس 1995) بتنفيذ القانون رقم 27.95، منشور في الجريدة الرسمية عدد 4323 بتاريخ 6 سبتمر1995، ص 2443.
[12] – القانون الفلسطيني
– القانون المصري
-………
[13] – إبراهيم البعلي – “دور القاضي في إعادة التوازن للتعويض الإتفاقي على ضوء القضاء المغربي والمقارن” – مقال منشور في الموقع الإلكتروني: https://maroclaw.com، تم الإطلاع عليه يوم الإثنين 1 دجنبر 2025 على الساعة 22:00.
[14] – راجع في هذا الصدد المعزوز البكاي، “بعض مظاهر اضطراب النظرية العامة للعقد”، مجلة القانون المدني، العدد الثالث، 2016، ص 10 وما بعدها.
[15]– سامي بديع، ” عنصر الثبات وعوامل التغيير في العقد المدني”، دار الفكر اللبناني، بيروت 2890، الصفحة 302
[16] – المهدي فتح الله – خصوصية الإمهال القضائي في القانون 31.08 – مقال منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية،: https://www.droitetentreprise.com/21568
[17]– نصير يوسف – تأثير الشرط التعسفي في تراجع مبدأ القوة الملزمة للعقد – مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية – المجلد 12، العدد 2، ص 977.
[18] عرفه المشرع الفرنسي في قانون 1 فبراير1995 الذي أورد في مادته 132- فقرة أولى- مايلي: ” في العقود المبرمة بين المحترفين والمستهلكين تعتبر تعسفية، الشروط التي يكون موضوعها أو أثرها هو خلق اختلال مبالغ فيه بين حقوق والتزامات أطراف العقد على حساب الطرف غير المحترف أو المستهلك”.
[19]– اختلفت طرق التحديد الشروط التعسفية في العقد تبعا للأسلوب المتبع من طرف التشريع المقارن إذ البعض اتبع طريقة إصدار لائحة تشمل هذه الشروط والبعض الأخر سلك أسلوب التقدير بينما البعض الأخر دمج بين الأسلوبين معا.
[20] – مصبح تميم – تأثير قانون حرية الأسعار والمنافسة على مبادئ الإلتزامات التعاقدية، مجلة الباحث للدراسات والأبحاث العلمية، العدد 71، ص109.
[21] – عبد الحق الصافي- م س – ص 313،
[22] – مصبح تميم – تأثير قانون حرية الأسعار والمنافسة على مبادئ الإلتزامات التعاقدية، م س، ص 110
