مجلة مغرب القانونالقانون العامأجانا حسن: الاختصاصات المالية للبرلمان المغربي بين النصوص القانونية والتطبيق العملي

أجانا حسن: الاختصاصات المالية للبرلمان المغربي بين النصوص القانونية والتطبيق العملي

أجانا حسن دكتور في العلوم القانون العام والعلوم السياسية، جامعة الحسن الثاني – الدار البيضاء


الملخص:

  يتناول هذا المقال الاختصاصات المالية للبرلمان المغربي في ضوء دستور 2011، من خلال تحليل الإطار الدستوري والتنظيمي المنظم لها، ورصد مظاهر ممارستها العملية. ويبرز دور البرلمان في مناقشة والتصويت على قوانين المالية، واعتماد البرامج متعددة السنوات، والموافقة على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة، إلى جانب سلطته في التشريع الضريبي. كما يقف المقال عند حدود هذا الاختصاص في الواقع العملي، مبرزًا استمرار هيمنة السلطة التنفيذية على القرار المالي، بما يحد من فعالية الدور البرلماني رغم التقدم الدستوري المحقق.

الكلمات المفتاحية

البرلمان المغربي، الاختصاص المالي، دستور 2011، قانون المالية، الرقابة البرلمانية، التشريع الضريبي، المعاهدات الدولية


المقدمة:

              يُعدّ الاختصاص المالي للبرلمان من أقدم وأهم الاختصاصات التي ارتبطت تاريخيًا بنشأة الأنظمة النيابية الحديثة، إذ شكّل التحكم في الموارد العمومية والنفقات العامة المدخل الأساسي لتكريس مبدأ السيادة الشعبية والحد من هيمنة السلطة التنفيذية على القرار المالي. فقد ارتبط شعار «لا ضريبة دون تمثيل» بالتطور الدستوري في الدول الديمقراطية، وجعل من البرلمان المؤسسة المحورية التي يُمارَس داخلها الترخيص في الجباية والإذن بالصرف، إلى جانب مراقبة كيفية تدبير المال العام.

              وقد حظي هذا الاختصاص بمكانة مركزية داخل الدساتير الحديثة، حيث لم يعد دور البرلمان يقتصر على التصويت الشكلي على قوانين المالية، بل امتد ليشمل مناقشة السياسات المالية العمومية، والمصادقة على البرامج متعددة السنوات، ومراقبة تنفيذ الميزانية، وتقييم مردودية النفقات العمومية، فضلًا عن الإشراف على الالتزامات المالية للدولة الناشئة عن المعاهدات والاتفاقيات الدولية.

              وفي السياق المغربي، عرف الاختصاص المالي للبرلمان تطورًا تدريجيًا عبر مختلف المراحل الدستورية، غير أن هذا التطور ظل، في كثير من الأحيان، محدود الأثر على مستوى الممارسة الفعلية، بسبب هيمنة الحكومة على إعداد وتنفيذ السياسة المالية، وتعقيد المساطر الميزانياتية، وضعف الإمكانات التقنية والبشرية المتاحة للبرلمان. وقد جاء دستور المملكة لسنة 2011 في سياق سياسي ودستوري خاص، تميز بالمطالبة بتعزيز الديمقراطية التمثيلية، وتقوية دور البرلمان، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما انعكس بوضوح على إعادة الاعتبار للاختصاص المالي للمؤسسة البرلمانية.

              فقد نص دستور 2011 على مجموعة من المقتضيات التي تهدف إلى تقوية الدور المالي للبرلمان، من خلال التنصيص على حقه في مناقشة والتصويت على قوانين المالية، وتوسيع مجال تدخله ليشمل البرامج الميزانياتية متعددة السنوات، وتعزيز حقه في الحصول على المعلومة المالية، إضافة إلى المصادقة على المعاهدات التي يترتب عنها تكاليف مالية تتحملها الدولة. كما أحال الدستور على القانون التنظيمي لقانون المالية من أجل تحديد شروط وكيفيات ممارسة هذه الاختصاصات، وهو ما تُرجم بإصدار القانون التنظيمي رقم 130.13، الذي أدخل مستجدات هامة تتعلق بشفافية الميزانية وربط الاعتمادات بالأهداف والنتائج.

              غير أن توسيع الاختصاص المالي للبرلمان على المستوى الدستوري والتشريعي يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمدى فعاليته على مستوى التطبيق العملي، ومدى قدرة البرلمان على التأثير الحقيقي في الخيارات المالية الكبرى للدولة. فالممارسة البرلمانية تكشف عن استمرار هيمنة السلطة التنفيذية على مراحل إعداد مشروع قانون المالية وتنفيذه، فضلًا عن محدودية السلطة التعديلية للبرلمان، وضعف آليات التتبع والتقييم اللاحق لتنفيذ الميزانية.

وانطلاقًا من ذلك، يهدف هذا المقال إلى دراسة الاختصاصات المالية للبرلمان المغربي في ضوء دستور 2011، من خلال تحليل الإطار الدستوري والقانوني المنظم لها، ورصد مظاهر ممارستها العملية.

              وتكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يمس جوهر العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويعكس مدى نضج التجربة الدستورية المغربية في مجال تدبير المال العام وفق مبادئ الديمقراطية والشفافية والمساءلة. كما تبرز أهميته العملية في كونه يسلط الضوء على التحديات التي تواجه البرلمان في ممارسة اختصاصه المالي، ويوفر أرضية علمية لتقييم مدى انسجام الممارسة البرلمانية مع الطموحات الدستورية التي جاء بها دستور 2011.

وبناءً عليه، تتمحور إشكالية هذا المقال حول التساؤل الرئيسي التالي: إلى أي حد نجح دستور 2011 في تكريس اختصاص مالي فعلي للبرلمان المغربي، وما هي حدود هذا الاختصاص في ضوء الممارسة العملية والمقارنة الدستورية؟ وللإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم اعتماد تصميم منهجي يقوم على تقسيم المقال إلى مبحثين أساسين يتناولان الإطار القانوني للاختصاص المالي، ومظاهر ممارسته.

المبحث الأول: التدخل البرلماني في اعتماد قوانين المالية

            يعتبر إعداد قانون مالية السنة من اختصاص الحكومة و ليس من اختصاص البرلمان، و في هذه المسألة لا يشكل المغرب استثناء على الدول المتقدمة، إذ أن هذا ما أقره دستور المملكة لسنة 2011، الذي ينص في فصله 75 على أنه يصدر قانون المالية، الذي يودع بالأسبقية لدى مجلس النواب، بالتصويت من قبل البرلمان، وذلك طبق الشروط المنصوص عليها في قانون تنظيمي؛ و يحدد هذا القانون التنظيمي طبيعة المعلومات والوثائق والمعطيات الضرورية لتعزيز المناقشة البرلمانية حول مشروع قانون المالية.

            وهكذا فبالرجوع إلى القانون التنظيمي للمالية رقم 13-130[1]، نجده يسند مسألة تحضير و إعداد مشاريع الميزانية إلى وزير المالية تحت سلطة رئيس الحكومة و ذلك طبقا للتوجهات العامة المتداول بشأنها في المجلس الوزاري و فقا لأحكام الفصل 49 من الدستور.

            و يعرف القانون التنظيمي رقم 13-130 في فصله الثاني المراد بقانون المالية، هو قانون مالية السنة، قوانين المالية المعدلة ثم قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية، كما تنص المادة الثالثة من نفس القانون على أنه يتوقع قانون مالية السنة لكل سنة مالية، مجموع موارد و تكاليف الدولة و يقيمها و ينص عليها و يأذن بها، ويلاحظ من خلال هذا النص أن صلاحية البرلمان تتحدد أساسا في المصادقة على الميزانية العامة، كما يستخلص من هذا التعريف أن الميزانية هي عمل توقع، إذ أن النشاط المالي للدولة لا يمكن أن يمارس بصفة عشوائية و لكنه يجب أن يكون مخططا في وثائق تتضمن تقديرات كل العمليات المالية التي تنوي الدولة إنجازها خلال السنة،  بالإضافة إلى فكرة أن الميزانية هي عمل ترخيص  إذ أن هذه الوثيقة التي تتضمن تقديرات موارد الدولة و نفقاتها، و بالتالي تشكل مشروع قانون مالية السنة لا يمكن أن تصبح قابلة للتنفيذ إلا بعد المصادقة عليها من قبل البرلمان، وذلك عن طريق التصويت طبقا لشروط ينص عليها القانون التنظيمي حسب ما جاء في الفصل 75 من الدستور، و بالتالي فإن البرلمان هو الذي يرخص في تنفيذ العمليات المالية العمومية، و ذلك بعد مناقشة مضامين قانون المالية، وهو ما سنتناوله في المطلب الأول من هذا المبحث، ثم التصويت و المصادقة بالنسبة لكل من مشاريع قوانين مالية السنة و القوانين المعدلة وقانون التصفية، و هو محتوى المطلب الثاني.

المطلب  الأول: مناقشة البرلمان لمشروع قانون المالية

            تخضع قوانين المالية من الناحية القانونية للمسطرة العادية التي يتبعها البرلمان في إقرار النصوص القانونية، أي أنه تتم مناقشتها في اللجان البرلمانية المختصة، ثم يتم التداول بشأنها في الجلسات العامة ليتم إقرارها بالتصويت، و تجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي لم يكن قبل دستور2011 يشترط إيداع مشروع قانون المالية بالأسبقية بمكتب أحد المجلسين، إلا أنه تطبيقا لمقتضيات الفصل75 من  الدستور الجديد فإن هذا المشروع أصبح يودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب.

            كما تجدر الإشارة إلى أن المادة 33 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 كانت تشترط أن يتم إيداع مشروع قانون المالية قبل متم السنة المالية الجارية ب 70 يوما على أبعد تقدير، في حين أننا نجد القانون التنظيمي للمالية الجديد الذي يحمل رقم 130.13  قد جاء بمجموعة من التغييرات فيما يخص هذا الباب، و هكذا فإن المادة 47  من هذا القانون تنص على أن يعرض الوزير المكلف بالمالية على اللجنتين المكلفتين بالمالية بالبرلمان قبل  31 يوليوز، الإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية،و يتضمن هذا العرض تطور الوضعية الاقتصادية الوطنية، وتقدم تنفيذ قانون المالية للسنة الجارية إلى حدود 30 يونيو من نفس السنة، ثم المعطيات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية و المالية بالإضافة إلى البرمجة الميزانياتية الإجمالية لثلاث سنوات، ويكون هذا العرض موضوع مناقشة دون أن يتبعها تصويت، أما فيما يخص  أجل إيداع مشروع قانون مالية السنة الذي يودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، فقد نصت المادة 48  من نفس القانون على أنه يودع في 20 أكتوبر على أبعد تقدير، ويتم إرفاق هذا المشروع بمجموعة من الوثائق عددتها نفس المادة في13 وثيقة، و هي تتكون من : مذكرة تقديم لمشروع قانون المالية و التي تتضمن معطيات حول استثمارات الميزانية العامة و حول الآثار المالية و الاقتصادية للمقتضيات الضريبية   و الجمركية المقترحة، ثم التقرير الاقتصادي والمالي، تقرير حول المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية، تقرير حول مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، تقرير حول الحسابات الخصوصية للخزينة، تقرير حول النفقات الضريبية، تقرير حول الدين العمومي، تقرير حول الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع، تقرير حول الموارد البشرية، تقرير حول المقاصة، مذكرة حول النفقات المتعلقة بالتكاليف المشتركة، تقرير حول العقار العمومي المعبأ للاستثمار، مذكرة حول التوزيع الجهوي للاستثمار.

            وبعد ما يتم إيداع مشروع قانون المالية في الآجال القانونية، يعقد البرلمان بغرفتيه طبقا للفصل 68 من الدستور، جلسة عمومية مشتركة[2] تتقدم فيه الحكومة في شخص الوزير المكلف بالمالية بعرض مشروع قانون المالية السنوي، وتنعقد هذه الجلسة المشتركة برئاسة رئيس مجلس النواب، وهو إجراء شكلي يستهدف فقط إبراز أولوية مجلس النواب، غير أن هذه الجلسة المشتركة لا تذهب إلى حد دراسة ومناقشة المشروع بل تقتصر على العرض فقط.[3]

            بعد العرض يحال مشروع قانون المالي السنوي في الحين من طرف رئيسي الغرفتين على اللجنة المكلفة بالمالية، (وهي لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، ولجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين) لأجل النظر فيه،[4] وإلى اللجان الدائمة الأخرى في نطاق اختصاصاتها للاستشارة قبل أن يطرح للمناقشة العلنية داخل الجلسة العامة.

أولا: مناقشة المشروع من طرف اللجان البرلمانية الدائمة:

              تحظى اللجان البرلمانية الدائمة بأهمية كبرى ودور محوري داخل السلطة التشريعية،[5] وهو ما دفع بالمشرع المغربي لأن يتعرض إليها في أكثر من فصل داخل الدستور (الفصول 62، 63، 68، 69، 80، 81)، وعلى غرار الدستور يعطي النظام الداخلي للبرلمان مكانة هامة للجان، ولا غرو في ذلك إذا عرفنا الدور المنوط بها، يكفي فقط الإشارة إلى الفصل 80 من الدستور الذي ينص على أنه:” تحال مشاريع ومقترحات القوانين لأجل النظر فيها على اللجان التي يستمر عملها خلال الفترات الفاصلة بين الدورات”. 
              وفي نفس الاتجاه تؤكد الفقرة الثالثة من المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13 على أنه:” يحال المشروع في الحين إلى اللجنة المكلفة بالمالية بمجلس النواب قصد دراسته”. 
              وتعتبر اللجنة المالية من أهم اللجان البرلمانية لما لها من أهمية خاصة داخل المجالس التشريعية، فإليها يرجع أمر دراسة وفحص مشروع القانون المالي السنوي وتعديله، فيما تتولى باقي اللجان النيابية دراسة مشاريع الميزانيات الفرعية المرتبطة بالوزارات التي تندرج ضمن اختصاصاتها. 
              تقوم لجنة المالية بفحص ودراسة مشروع قانون المالية السنوي عبر ثلاث مراحل، ففي المرحلة الأولى يتقدم الوزير المكلف بالمالية بعرض المشروع المالي أمام اللجنة يبدي من خلاله أعضاء اللجنة ملاحظاتهم، كما يحق لهم في هذا الإطار الاستيضاح والاستفسار عن كل مقتضى ورد في مشروع قانون المالية، ولهم أن يطلبوا من الحكومة كل الوثائق والإحصائيات التي لها صلة ببنود هذا المشروع،  و هو الأمر الذي  كرسه الفصل 67 من الدستور حيث نص على أنه:”للوزراء أن يحضروا جلسات كلا المجلسين واجتماعات لجنهما، ويمكنهم أن يستعينوا بمندوبين يعينونهم لهذا الغرض”. 
              وفي المرحلة الثانية تقوم اللجنة بفحص ومناقشة المشروع، حيث يقوم مقرر اللجنة بقراءة كل مادة مع التعليقات الضرورية، وتتم إحالة المادة ذات التعقيدات المالية والاجتماعية للمناقشة ولتوضيح الوزير، وفي المرحلة الثالثة يقوم أعضاء اللجنة بتقديم تعديلات واقتراحات التي يتم التصويت عليها،[6] بعد أن يضاف إليها اقتراحات وتوصيات التي تعرضها باقي اللجان النيابية الأخرى.. 
              وبالموازاة مع الفحص الأفقي الذي تقوم به لجنة المالية لمقتضيات مشروع قانون المالية، في كلا المجلسين، تنكب هذه اللجنة على الفحص العمودي لمختلف التوصيات والاقتراحات التي تقوم اللجان الدائمة الأخرى بتقديمها.[7] 
              هذا ويقوم مقرر لجنة المالية بدور المنسق والمحرك للنقاشات حول التوصيات والتعديلات المقدمة، حيث يتكلف بقراءة مواد مشروع قانون المالية مادة بعد مادة مع التعليق عليها، ثم يطرح المشروع للنقاش ولتوضيحات الوزراء أو مندوبيهم، ليبلور بعد ذلك تقرير لجنة المالية ويرفعه إلى المجلس الذي ينتمي إليه متضمنا فيه الاقتراحات والتعديلات كما تم التصويت عليها من قبل أعضاء هذه اللجنة، والتي تقدم بها البرلمانيون أو المستشارون الذين يهمهم الأمر إلى اللجان البرلمانية المختصة. 
 وبعد ذلك تبدأ عملية المناقشة في الجلسة العامة على أساس المشروع الذي أعدته لجنة المالية، حسب المادة 76 من النظام الداخلي للبرلمان. 

مقال قد يهمك :   نظرة حول "اتفاقية حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدميرها وموقف المغرب منها"  

ثانيا: مناقشة المشروع داخل الجلسة العامة:

            تبدأ عملية مناقشة مشروع قانون المالية داخل الجلسة العامة انطلاقا من عرض تقرير لجنة المالية الذي يتكلف بقراءته رئيس المجلس، ثم يعيد مقرر اللجنة تفصيله من خلال قراءته مادة بمادة.[8] 
            ويفتتح المناقشة العامة عادة الوزير المكلف بالمالية بخطاب الميزانية، والذي يرصد فيه الوزير الحالة الاقتصادية والمالية للبلاد والمشاكل التي تواجهها، ثم الاتجاهات العامة للسياسة المالية التي تعتزم الحكومة نهجها في المستقبل، ثم يليه المقرر العام للجنة المالية الذي يلقي كلمة يبرز فيها أهم التعديلات التي أدخلتها اللجنة على المشروع الحكومي والأسباب التي حملت اللجنة على إقرار هذه التعديلات.[9] 
ثم يليه بعد ذلك رئيس لجنة المالية ومتدخلي ممثلي الفرق البرلمانية على أساس أن هذه المرحلة هي المرحلة السياسية للمناقشة العامة لمشروع قانون المالية، وتبدأ بعد ذلك المناقشة التفصيلية للجزء الأول ثم الجزء الثاني من مشروع قانون المالية.[10] 
              ولا يجوز عرض الجزء الثاني من مشروع قانون المالية للمناقشة إلا بعد التصويت على الجزء الأول الذي يتضمن مداخيل الدولة، وهذا ما نصت عليه المادة 52 من القانون التنظيمي للمالية، وهي نفس الصياغة التي وردت كذلك في النص الفرنسي، ونشير إلى أن هذا الإجراء يعد تصويتا أوليا فقط الغاية منه هو الحفاظ على تدابير التوازن الاقتصادي والمالي، لأن عدم منح الأولوية في المناقشة وفي التصويت للجزء الأول يعتبر من العيوب الشكلية التي تجعل مسطرة دراسة مشروع قانون المالية معيبة وغير دستورية.[11] 
              وقد أثيرت نازلة في هذا الإطار بفرنسا في نهاية سنة 1979 بشأن القانون المالي لسنة 1980، حيث كانت الجمعية الوطنية قد رفضت المادة 24 من الجزء الأول من مشروع القانون المالي والمتعلقة بتوازن الموارد والتكاليف، فباشرت الجمعية الوطنية الفرنسية مناقشة القسم الثاني دون أن تعتمد القسم الأول (بمعنى صوتت عليه ولكن بالرفض)، وبعد أن ناقشت القسم الثاني تم التصويت على مشروع قانون المالية في صيغته الكاملة، أحيلت هذه المسألة على المجلس الدستوري الذي أصدر بشأنها قرارا  اعتبر فيه أن المسطرة التي اعتمدتها الجمعية الوطنية في التصويت على مشروع قانون المالية غير مشروعة، وبذلك نطق بعدم مطابقة قانون مالية سنة 1980 للدستور.[12] 
              وعند تناول ميزانية كل وزارة على حدة تتجه المناقشة ناحية السياسة العامة للوزارة، ثم ناحية التفصيل وبعدها يتم التصويت على المداخيل والنفقات، ثم تعرض الحكومة فور التصويت على مشروع قانون المالية في مجلس النواب أو عند انصرام أجل التصويت، على مجلس المستشارين النص الذي تم إقراره أو النص الذي قدمته في أول الأمر مدخلة عليه إن اقتضى الحال التعديلات المصوت عليها في مجلس النواب والمقبولة من طرف الحكومة، وبهذا يبث مجلس المستشارين في المشروع داخل أجل اثنين و عشرين يوما (22) الموالية لعرض الأمر عليه، ثم يقوم مجلس النواب بدراسة التعديلات المصوت عليها من طرف مجلس المستشارين و يعود له البث النهائي في مشروع قانون المالية في أجل لا يتعدى ستة أيام.  
وهو الأمر الذي نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 84 من الدستور:” يعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البث فيه، ولا يقع هذا التصويت إلا بالأغلبية المطلقة لأعضائه الحاضرين”.

المطلب الثاني: التصويت على مشروع قانون المالية

                إن التصويت على مشروع قانون المالية يتم وفق المسطرة التي تنظمها أحكام الفصل الثاني من الباب الثالث من القانون التنظيمي لقانون للمالية، المتعلقة بطريقة التصويت على قانون المالية ، والتي تميز بين الطريقة المعتمدة في التصويت على الأحكام وبين تلك المتبعة في التصويت على الموارد، وبين مسطرة التصويت على النفقات.[13] 
                ففي ما يخص أحكام قانون المالية فإنه يتم التصويت عليها طبقا للمادة 53 من القانون التنظيمي للمالية[14] مادة بمادة، ويجري في شأن تقديرات الموارد حسب المادة 54 من نفس القانون[15] تصويت إجمالي فيما يخص الميزانية العامة وميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، وتصويت عن كل صنف من أصناف الحسابات الخصوصية للخزينة. 
                أما بالنسبة لنفقات الميزانية العامة، فيتم حسب المادة 55[16]، التصويت على كل باب من الأبواب : الباب المتعلق بنفقات التسيير، والباب المتعلق بنفقات الإستثمار ثم الباب المتعلق بنفقات الدين العمومي، وعن كل فصل داخل نفس الباب، كما يجري في شأن نفقات ميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة تصويت إجمالي بحسب القطاع الوزاري أو المؤسسة التابعة لها هذه المرافق، فيما يتم التصويت على نفقات الحسابات الخصوصية للخزينة بحسب كل صنف من أصناف هذه الحسابات. 
                وتجدر الإشارة إلى أن نفس المسطرة التشريعية يجب التقيد بها في دراسة والتصويت على مشاريع قوانين أخرى ذات الصبغة المالية، مع وجود اختلاف في المدة المخصصة لذلك حسب كل مجلس، و هكذا نجد أن المادة 51 من القانون التنظيمي للمالية تنص على أن البرلمان يصوت على مشروع قانون المالية المعدل في أجل لا يتعدى 15 يوما الموالية لإيداعه من طرف الحكومة لدى مكتب مجلس النواب، و يتم تقسيم هذه المدة بين مجلسي البرلمان كما يلي: 08 أيام الموالية لتاريخ الإيداع بالنسبة لمجلس النواب، و بمجرد التصويت على هذا المشروع أو نهاية الأجل المحدد تقوم الحكومة بعرض النص الذي تمت المصادقة عليه أو النص الذي قدمته في أول مرة مدخلة عليه إن اقتضى الحال التعديلات المصوت عليها من طرف مجلس النواب و المقبولة من طرف الحكومة، و يبث مجلس المستشارين في المشروع داخل أجل 04 أيام الموالية لعرضه عليه، ثم يقوم مجلس النواب بدراسة التعديلات المصوت عليها من طرف مجلس المستشارين و يعود له البث النهائي في مشروع قانون المالية المعدل في أجل لا يتعدى 03 أيام.    
                كما يعد التنصيص الدستوري على قانون التصفية من المستجدات التي أتى بها دستور 2011، فقد نص الفصل 76 من الدستور على أنه:” تعرض الحكومة سنويا على البرلمان، قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية، خلال السنة الثانية التي تلي سنة تنفيذ هذا القانون. ويتضمن قانون التصفية حصيلة ميزانيات التجهيز التي انتهت مدة نفاذها”. 
                فهذا التنصيص الدستوري لم يكن واردا في الدستور السابق، حيث كان قانون التصفية مؤطرا بموجب القانون التنظيمي لقانون المالية، والذي نص في المادة 47 على أنه:” يثبت في قانون يسمى -قانون التصفية- المبلغ النهائي للمداخيل المقبوضة والنفقات المأمور بصرفها والمتعلقة بنفس السنة المالية ويحصر في حساب نتيجة السنة”، ويصدر هذا القانون بعد تنفيذ قانون مالية السنة، والقوانين المعدلة له عند الاقتضاء، وهو يأتي ليثبت النتائج التي أسفر عنها تنفيذ قانون مالية السنة، وليحدد الفروق بين التوقعات والانجازات، إذ أنه يعتبر حسابا ختاميا لقانون المالية، الذي يكون مجرد توقعات وتقديرات، مع وجوب إدراج فيه حصيلة ميزانية التجهيز التي انتهت مدة نفاذها، وذلك حتى لا يقتصر الأمر على الحصيلة السنوية فقط، وإنما مجموع العمليات المالية التي وقعت داخل السنة، بما فيها عمليات التجهيز أو الاستثمار المختتمة، والتي تكون قد بدأت قبل ذلك بسنوات تجنبا لانفلاتها من الرقابة البرلمانية.[17]

المبحث الثاني: المجالات الأخرى للاختصاص المالي للبرلمان

                لقد أشرنا في معرض حديثنا عن الاختصاص البرلماني في مجال قوانين المالية و كيفية تقديمها، إلى أن المجالات الأخرى تتجلى في موافقة البرلمان على مخططات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، و على المعاهدات الدولية التي لها آثار على مالية الدولة،ثم الدور الذي يلعبه البرلمان في المجال الضريبي.

                و بالتالي فإننا سوف نقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين اثنتين سندرس من خلال المطلب الأول الصلاحيات المخولة للبرلمان في مجال الموافقة على مخططات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، فيما سنخصص المطلب الثاني لدراسة دور البرلمان في الموفقة على المعاهدات الدولية و القوانين الضريبية.

المطلب الأول: اختصاص البرلمان في اعتماد مخططات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية

            يعد اختصاص البرلمان في اعتماد مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية مجال آخر منح له لتأكيد سلطته المالية، وتكمن سلطة البرلمان في هذا المجال من خلال وضع المبادئ الأساسية للتخطيط، ثم فحص كل مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والموافقة عليها. 

مقال قد يهمك :   إدارية مراكش تستبعد تطبيق المادة 9 على أموال الجماعات الترابية لهذه الأسباب


أولا: دور البرلمان في وضع مخططات التنمية:

    تعد قوانين البرامج أو قوانين الإطار بمثابة قوانين تضعها المجالس التشريعية حينما تقدم الدولة على وضع سياسة إصلاح معينة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، مع اقتصار هذه المجالس على بيان المبادئ الأساسية لهذه البرامج، لتتولى السلطة التنظيمية مهمة تنفيذ تلك البرامج بموجب مراسيم. 
              ولقد تم وضع المبادئ الأساسية للتخطيط بالمغرب منذ سنة 1957 (ظهير 22 يونيو 1957)، وقد أكدت الدساتير المغربية المتلاحقة على ذلك بوضوح، محددة الاختصاصات البرلمانية في مجال التخطيط، لكن ما يلاحظ على التجربة البرلمانية المغربية أن العديد من المخططات لم يتم التصويت عليها من طرف البرلمان، حيث أن المخطط الخماسي الأول ما بين 1960 و1964 دخل حيز التنفيذ قبل مجيء الدستور بسنتين، والمخطط الثلاثي 1965-1967 تم خلال مرحلة الاستثناء، وهو نفس الشيء بالنسبة للمخطط الخماسي 1968-1972 أما بالنسبة للمخطط الخماسي 1973- 1977 فقد جاء في إطار المرحلة الانتقالية، والتي ابتدأت من مارس 1972 إلى أكتوبر 1977، وبعد هذه المرحلة نجد بأن  كل المخططات التي وضعتها الحكومات المتعاقبة قد تم عرضها على البرلمان من أجل اعتمادها. 
              وهكذا يعد المخطط الثلاثي 1978-1980 أول مخطط يقدم للبرلمان لأجل الموافقة عليه، و اعتبر ذلك عملا إيجابيا قطع مع طريقة تقليدية كان يتم بها اعتماد مشروع المخطط، بحيث كان يتم مناقشته في المجلس الوزاري ويدخل حيز التنفيذ دون مروره على الجهاز التشريعي، وبالتالي أصبح المخطط يكتسي أهمية خاصة تتعلق بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، الشيء الذي كان لزاما معه عرض المخطط على البرلمان لتفحصه وإقراره، وهكذا عملت الدساتير المغربية المتعاقبة على منح البرلمان سلطة اعتماد مشاريع مخططات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. 
              ومن بين المخططات التي اعتمدها البرلمان نجد مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية لسنوات 2000- 2004 الذي قدم كمشروع قانون تحت رقم 00.37، حيث قدم هذا المشروع في جزأين الأول يتطرق لتطوير الحالة الاقتصادية والاجتماعية وللآفاق المستقبلية والتوجيهات والأهداف الإجمالية، في حين يتناول الجزء الثاني التنمية القطاعية بما في ذلك التنمية الاجتماعية وتنمية الموارد البشرية وتأهيل القطاعات المنتجة، وتنمية التجهيزات الأساسية الاقتصادية وإصلاح الإدارة العمومية والعدل.


ثانيا: فحص البرلمان مخطط التنمية والتصويت عليه: 

           إن تدخل البرلمان على مستوى فحص مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية يترجم عن طريق اعتماد أو رفض هذا المخطط، لكن هذا الأمر يبقى نظريا فقط لأن سلطة البرلمان في اعتماد المخطط كثيرا ما ترتبط بالإذن السنوي للالتزام بنفقات الميزانية المدرجة في القانون المالي السنوي المصوت عليه من طرف البرلمان. 
              و هكذا فإن الميزانية تعد الوسيلة التي تضمن تنفيذ المخطط، فهي تحتوي على أجزاء مهمة من استثمارات الدولة التي توجه لمشاركة المؤسسات العمومية والخاصة في تنفيذ بعض المشاريع قصد تلبية الاحتياجات التي تم التخطيط لها، فالفقرة الثانية من المادة 17 من القانون التنظيمي للمالية تنص على أنه توجه نفقات الاستثمار بالأساس لإنجاز المخططات التنموية الإستراتيجية و البرامج متعددة السنوات بغية الحفاظ على الثروات الوطنية أو إعادة تكوينها أو تنميتها.

                    ومن المستجدات التي أتى بها الدستور في هذا المجال هو منح البرلمان صلاحية جديدة تتعلق بالتصويت على البرامج متعددة السنوات التي تعدها الحكومة، وهي إضافة تستهدف فتح المجال للحكومة لبرمجة نفقات التجهيز التنموية في إطار يتجاوز مدة إنجاز قانون المالية السنوي، أي إطار السنة الواحدة، وهو وضع يتطابق مع واقع احتجاب المخطط الوطني للتنمية في السنوات الأخيرة، وبالتالي إمكانية اعتماد مخططات قطاعية أو برامج محددة تتجاوز إطار السنة. 
              أما فيما يخص تصويت البرلمان على مخططات التنمية، فقد نصت الفقرة الثانية من الفصل 75 من الدستور على أنه:” يصوت البرلمان مرة واحدة على نفقات التجهيز التي يتطلبها، في مجال التنمية، إنجاز المخططات التنموية الإستراتيجية، البرامج متعددة السنوات التي تعدها الحكومة وتطلع عليها البرلمان، وذلك عندما يوافق عليها، ويستمر مفعول الموافقة تلقائيا على النفقات طيلة مدة هذه المخططات التنموية…”. 

المطلب الثاني: صلاحيات البرلمان في اعتماد المعاهدات الملزمة لمالية الدولة و القوانين الضريبية

           بالإضافة إلى ما سبق يتمتع البرلمان باختصاصات مالية أخرى تتمثل في مجال الموافقة على المعاهدات التي تكون لها آثار مالية على ميزانيات الدولة، وكذلك موافقته على القوانين الضريبية، هذا الاختصاص يتأتى له من مبدأ تاريخي وهو عدم إمكانية فرض أي ضريبة على الشعب إلا بعد موافقة ممثليه على ذلك.

 
أولا: اختصاصات البرلمان في اعتماد المعاهدات الملزمة لمالية الدولة:

              يعتبر مجال إبرام المعاهدات خاصة منها الدولية، من أبرز مجالات الاختصاص الممنوحة، إما لرئيس الدولة بالدرجة الأولى، أو الحكومة ممثلة في رئيسها، وفي وزير خارجيته، إذ أن الإجراءات المتعلقة بإقرار المعاهدات من مفاوضات وتوقيع وتصديق وإيداع، هي من اختصاص السلطة التنفيذية، لكن هذا الحكم غير مطلق خاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة التصديق، ذلك أن الدساتير الديمقراطية تستثني مجموعة من المعاهدات من هذا الحكم وهي المعاهدات المكلفة لميزانية الدولة، وبعض المعاهدات الأخرى، حيث تكون مصادقة رئيس الدولة على هذا الصنف من المعاهدات مرهونة بموافقة البرلمان.[18]
              و قد نحى المغرب نفس المنحى، و هكذا نجد أن الفصل 55 من الدستور في فقرته الثانية قد حدد الاختصاصات التي تمارس في مجال المعاهدات، حيث أنه ميز بين سلطة الملك في التوقيع والمصادقة على المعاهدات، وبين سلطة البرلمان في الموافقة على المعاهدات التي يترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة[19]، ويستمد البرلمان هذه الموافقة انطلاقا من سلطته التشريعية في الميدان المالي. 
           قبل إبراز سلطة البرلمان في مجال الموافقة على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة، يقتضي منا الأمر تحديد ماهية المعاهدات الملزمة لمالية الدولة، ثم التطرق لدور البرلمان في الموافقة على هذا النوع من المعاهدات. 


1: ماهية المعاهدات الملزمة لمالية الدولة

              يطرح إلى جانب مسطرة الموافقة البرلمانية على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة، تساؤل حول ما المقصود بهذا النوع من المعاهدات؟ 
              من وجهة نظر المحاسبة العمومية يعتبر التزاما كل تصرف قام به جهاز عمومي وترتب عنه تكلفة مالية، انطلاقا من هذه الوجهة يرى بعض الباحثين أن الحكومة ليست ملزمة بالعرض على البرلمان إلا المعاهدات التي تنشئ بشكل مباشر دينا حقيقيا على كاهل الدولة. 
              ومن جهة أخرى فإن منح الموافقة على المعاهدات، التي جاءت ضمن الفقرة الثانية من الفصل 55 من الدستور، تعني الترخيص التشريعي الذي يمنحه البرلمان على كل المعاهدات التي يترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة.[20]
              من هذا المنطلق يتضح أن هناك اختلاف كبير في تفسير طبيعة المعاهدة الملزمة لمالية الدولة، فمن جهة لا يمكن عرض كل المعاهدات التي تبرمها الدولة بحجة أنها ترتب تكاليف مالية، ومن جهة أخرى يبقى البرلمان الجهة الوحيدة المختصة بمنح الترخيص بالموافقة على المعاهدات التي تكلف مالية الدولة.[21]

              ومن أجل توضيح هذا الاختلاف أقام () في استشارة قانونية أثناء الجمهورية الثالثة الفرنسية، تمييزا بين  المعاهدات المتعلقة بمالية الدولة والمعاهدات الملزمة لمالية الدولة، فبالنسبة له تعتبر المعاهدة ملزمة لمالية الدولة إذا كانت تولد عبئا ماليا جديدا ومباشرا، في المقابل لا تلزم مالية الدولة تلك المعاهدات التي تهدف إلى تقليص الدين العمومي، فرغم أن الموافقة على هذه المعاهدات هو مرتبط بمالية الدولة فإنها لا ترتب عليها آثار تلزمها.[22] 
             وتبعا لذلك تكون المعاهدات ملزمة لمالية الدولة عندما يترتب عنها أثار مباشرة تكلف مالية الدولة، بمعني تمس بشكل مباشر التوازن المالي للدولة، الشيء الذي يتطلب معه فتح اعتمادات مالية مباشرة، وهذه الاعتمادات لا يمكن رصدها إلا بموافقة البرلمان، وهذا ما كرسه الدستور المغربي عندما أشار في الفقرة الثانية من الفصل 55 إلى أنه:” لا يصادق (أي الملك) على معاهدات… التي تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة،… إلا بعد الموافقة عليها بقانون”. 
             من خلال هذا النص يتضح أن البرلمان له كامل الصلاحية في الموافقة على المعاهدات التي يترتب عنها تكاليف ملزمة لمالية الدولة، لكن السؤال المطروح هو كيف تتم هذه الموافقة؟ هذا السؤال سنجيب عليه من خلال دراسة دور البرلمان في اعتماد المعاهدات الملزمة لمالية الدولة.


2: فحص البرلمان المعاهدات الملزمة لمالية الدولة والترخيص لها: 

              بعد عرض هذا النوع من المعاهدات على المجلس الوزاري ، يتم إيداع مشروع القانون القاضي بالموافقة عليها بالأسبقية لدى مجلس النواب وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 78 من الدستور، و تخضع دراسة هذا المشروع لنفس المسطرة التشريعية التي تخضع لها بعض القوانين الأخرى باستثناء ممارسة حق التعديل، إذ أن الموافقة التشريعية هي موافقة من حيث المبدأ، و هي تهم مختلف مواد وبنود المعاهدة باعتبارها كلا لا يتجزأ، ومن تم يستبعد اقتراح أية تعديلات عليها وذلك بالنظر إلى قيام أحكامها على أساس اتفاقي بين السلطات الوطنية المغربية و بين الأطراف الأخرى. 
              هذا وقد أكد الفصل 164 من النظام الداخلي لمجلس النواب، أنه “إذا أحيل على المجلس مشروع قانون بالموافقة على معاهدة أو اتفاقية دولية سواء تلك التي تدخل في اختصاص المجلس طبقا للفقرة الثانية من الفصل 55 من الدستور أو التي يعرضها عليه الملك قبل المصادقة عليها حسب الفقرة الثالثة من الفصل 55 من الدستور، فإن المناقشة العمومية بخصوصها تنظم حسب البرنامج والترتيب الذين حددهما المكتب وفق القرارات التنظيمية لندوة الرؤساء، ولا يصوت على مواد المعاهدة أو الاتفاقية ولا يجوز تقديم أي تعديل بشأنهما”. 
              إن فحص الاتفاقيات الملزمة لمالية الدولة تعتبر فرصة لإعمال البرلمان سلطته الرقابية على السياسة الحكومية في العلاقات الخارجية، كما أنها فرصة كذلك أمام اللجان البرلمانية وخاصة لجنة المالية، لمطالبة الحكومة بتقديم تفسيرات بخصوص الديون الخارجية، وسياستها في التعاون الدولي.[23] 
              وتجدر الإشارة إلى أنه باستثناء الفصل 55 من الدستور لا نجد مقتضيات دستورية أخرى تنظم إجراءات الموافقة البرلمانية على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة، كما أن القانون التنظيمي لقانون المالية لم يشر إلى الترخيص البرلماني بخصوص هذا النوع من المعاهدات إلا بشكل عمومي وشامل حيث نصت المادة 7 على أنه:” يمكن أن تلزم التوازن المالي للسنوات المالية اللاحقة، أحكام معاهدات التجارة و الاتفاقيات أو الاتفاقات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة و تلك المتعلقة بالضمانات التي تمنحها الدولة “، وتنص كذلك المادة 27 على أنه:” تشتمل الحسابات الخصوصية للخزينة، على حسابات الانخراط في الهيأة الدولية التي تبين فيها المبالغ المدفوعة والمبالغ المرجعة برسم مشاركة المغرب في الهيئات الدولية.و لا يجوز أن تدرج في هذه الحسابات إلا المبالغ المقرر إرجاعها في حالة الانسحاب”.
وبالتالي فالترخيص بالموافقة على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة يتم حسب الفصل 55 من الدستور في شكل قانون يصوت عليه البرلمان. 

مقال قد يهمك :   تاجموعتي يكلف محامين للدفاع عن أطر الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية (مذكرة)

ثانيا: موافقة البرلمان على القوانين الضريبية:
              تعتبر الضريبة أداء نقديا يتحمله الشخص طبيعيا كان أو معنويا بصفة إجبارية ونهائية، ويقوم بدفعه دون مقابل من أجل تغطية النفقات العمومية وغيرها من الأهداف، وقد نص الدستور في الفصل 39 أنه:” على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها”، انطلاق من هذا النص يتضح أن للبرلمان وحده سلطة تشريع الضريبة وتوزيعها، بالإضافة إلى ذلك له كل الصلاحية في التصويت على النصوص الضريبية المدرجة ضمن مشروع قانون المالية .
1: سلطة البرلمان في التشريع الضريبي: 

              تشكل سلطة المشرع في المجال الضريبي إحدى أهم تجليات ممارسة السيادة، أي سلطة سن القانون وإعطاء الأمر بتنفيذه، وأن هذا الاختصاص في المجال الضريبي يعتبر إحدى المبادئ الأساسية للقانون العام، بمعنى أن هناك ارتباط عضوي بين الضريبة والقانون كظاهرتين لصيقتين بمفهوم السيادة، فالعلاقة بين الضريبة والقانون تعبر عن واقع سياسي أفرزه التطور التاريخي للبشرية من خلال اصطدامات وصراعات وثورات خاصة بين الملكيات المطلقة في أوربا والفئات الشعبية، أدت إلى إرساء قاعدة الموافقة على الضريبة من طرف الشعب عبر ممثليه أي التدخل الضروري للبرلمان في تأسيس أية ضريبة لكونه ممثلا للملزمين، وهكذا يرجع الفضل للضريبة التي كانت وراء نشوء وإرساء دعائم الأنظمة النيابية.[24] 
              وبالتالي فإن صلاحية البرلمان في المادة الضريبية هي صلاحية خاصة لا يمكن فصلها عن التطور الديمقراطي في هذا المجال، وتنبع أهمية تدخل البرلمان في المجال الضريبي انطلاقا من مبدأين أساسين ومختلفين، الأول يتعلق بمسألة التعبير عن السيادة الوطنية، فيما يرتبط الثاني بمبدأ القبول بالضريبة وهو مبدأ أساسي مدرج في جميع الدساتير الديمقراطية، ومنها الدستور المغربي حيث نص الفصل 39 أنه:” على الجميع أن يتحمل كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور”. 
              وتظل أهم المستجدات التي أتى بها دستور 2011 على المستوى المالي، هو توسيع مجالات اختصاص القانون، ومن ضمنها المجالات ذات الطابع المالي، وخاصة الضريبي كالنظام الضريبي ووعاء الضرائب ومقدارها وطرق تحصيلها وكذا النظام القانوني لإصدار العملة ونظام البنك المركزي وأيضا نظام الجمارك، وهي عناصر حرص النص الدستوري الحالي على تحديدها بشكل صريح في الفصل 71 من الدستور، الذي يستبعد كل إمكانية لفرض اقتطاعات جبائية خارج إطار الشرعية القانونية.[25] 
              وهكذا ينفرد البرلمان بتحديد الوعاء الضريبي، اختياره وطرق تقديره في إطار إحداث ضريبة جديدة لتحديد الأشخاص الخاضعين لها ومكان فرض الضريبة وكذا الواقعة المنشئة لها وطرق تقدير وعائها، أما بالنسبة لسعر الضريبة فلابد من تحديده من طرف المشرع مع بيان الأنشطة أو المواد أو المناطق الجغرافية المعفاة منها بصورة دقيقة و حصرية، وكذلك بالنسبة لأساليب وطرق تحصيل أية ضريبة ينبغي تحديدها من طرف المشرع كتعيين الهيئة أو الجهاز المكلف بتحصيلها وأسلوب جبايتها عن طريق جداول اسمية أو عن طريق الأداء العفوي وكذا مساطر المراقبة والمنازعات المتعلقة بها والغرامات الواجبة التطبيق أثناء تخلف الملزمين عن أدائها.[26] 
2: تصويت البرلمان على النصوص الضريبية

              يرتبط القانون الضريبي ارتباطا وثيقا بالقانون المالي، فغالبا ما يتم تحديد الضرائب أو تعديلها أو تغيير أسعارها أو تقرير الإعفاء منها أو الزيادة فيها عند إصدار القانون المالي، فهذا الأخير يحتوي على مجموعة من التدابير تتعلق أساسا بمجال الضريبة، غير أنه لا يمكن القول بأن كل الأمور المتعلقة بالضريبة يختص بها قانون المالية، حيث يمكن للقوانين العادية أن تنظم بعض الجوانب الخاصة بالضريبة،[27] لكن عمليا يظهر الاختصاص البرلماني في المجال الضريبي، من خلال المناقشة والتصويت على قوانين المالية التي تتضمن إجراءات ضريبية جديدة أو تعديلات تلحق الضرائب الجارية المفعول.[28] 
              فالتصويت على النصوص الضريبية المدرجة ضمن مشروع قانون المالية يتم وفقا للمسطرة التي حددها الدستور في الفصل 84 حيث ينص على أنه:”…يتداول كل مجلس في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها عليه، ويعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البث فيه، ولا يقع هذا التصويت إلا بالأغلبية المطلقة لأعضائه الحاضرين…”، هذا بالإضافة إلى التدابير التي حددها القانون التنظيمي لقانون المالية سواء تعلق الأمر بعملية الإيداع المرتبطة بآجال محددة وصارمة أو عملية التصويت، وفي هذا الإطار نصت المادة 38 من القانون التنظيمي أنه:” يجري في شأن تقديرات المداخيل تصويت إجمالي فيما يخص الميزانية العامة. 
        ومما ينبغي التأكيد عليه هو أن النصوص المتعلقة بالمادة الضريبية، شكلت إلى حد كبير الموارد الأكثر أهمية لتدخل البرلمان في المجال المالي،[29] غير أن تدخل البرلمان في الميدان الضريبي أصبح يخضع لمتغيرات تحكمه وتأثر عليه، بدءا من الأساس الذي يعطي الاختصاص للجهاز التشريعي وانتهاء بالفاعلين الآخرين الذين يمارسون أدورا إما باسم القانون وإما باسم المصلحة الخاصة بجماعاتهم ومنظماتهم.

خاتمة:

              ختامًا، يتضح أن الاختصاص المالي للبرلمان المغربي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للتوازن بين السلط، وأداة محورية لتجسيد مبادئ الديمقراطية التمثيلية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وقد أسهم دستور 2011، مدعومًا بالقانون التنظيمي لقانون المالية، في توسيع الإطار القانوني المنظم لهذا الاختصاص، من خلال تعزيز دور البرلمان في مناقشة قوانين المالية، والموافقة على البرامج متعددة السنوات، والتصديق على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة، إلى جانب تكريس سلطته الحصرية في التشريع الضريبي.

             غير أن هذا التطور النصي لا يواكبه دائمًا تطور مماثل على مستوى الممارسة العملية، إذ ما تزال الحكومة تحتفظ بهامش واسع من التحكم في إعداد وتنفيذ السياسة المالية، في ظل محدودية السلطة التعديلية للبرلمان، وتعقيد المساطر الميزانياتية، وضعف آليات التتبع والتقييم اللاحق لتنفيذ الميزانية. وهو ما يطرح إشكالية الفجوة بين الطموح الدستوري والواقع العملي للاختصاص المالي البرلماني.

              وعليه، فإن تعزيز فعالية هذا الاختصاص يظل رهينًا بتقوية القدرات التقنية والبشرية للبرلمان، وتطوير آليات الرقابة المالية والتقييم، وترسيخ ثقافة برلمانية قائمة على النقاش المالي المعمق، بما يضمن الانتقال من اختصاص مالي شكلي إلى اختصاص مالي فعلي يساهم في ترشيد تدبير المال العام وتحقيق الحكامة المالية المنشودة.


الهوامش:

 1- تنص المادة 46 على أنه:” يتولى الوزير المكلف بالمالية تحت سلطة رئيس الحكومة إعداد مشاريع قوانين المالية طبقا للتوجهات العامة المتداول بشأنها في المجلس الوزاري وفقا للفصل 49 من الدستور” 

2-هذا ما أكدته المادة 132 من النظام الداخلي للبرلمان التي تنص على أنه: ” يعقد مجلس النواب و مجلس المستشارين جلسة عامة مشتركة تعرض فيها الحكومة مشروع قانون المالية طبقا للفصل 68 من الدستور”

3 – امحمد قزيبر: “الصلاحيات المالية للجهازين التشريعي و التنفيذي في ظل دستور 2011” مقال منشور في جريدة المساء بتاريخ 01 يناير2012

4- عبد القادر التيعلاتي: “المالية العامة المغربية و المقارنة” الجزء الأول “قانون الميزانية” منشورات المعهد العالي للدراسات القانونية و الجبائية التطبيقية الطبعة الثانية 1998: ص 211

– عبد الفتاح بلخال: “علم المالية العامة و التشريع المالي المغربي” مطبعةفضالة الدارالبيضاء، الطبعة الأولى 2005- ص 290[5]

– الهبري الهبري: “الاختصاصت المالية للبرلمان المغربي” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الأول وجدة، السنة الحامعية 2005-2006- ص 56 [6]

– نفس المرجع ص – 56[7]

– عبد القادر التيعلاتي: مرجع سابق الذكر ص 215[8]

– الهبري الهبري: مرجع سابق الذكر ص 63  [9]

– عبد القادر التيعلاتي: مرجع سابق الذكر ص 216[10]

–  المصطفى معمر: “مدخل لدراسة المالية العامة”، بدون دار نشر مؤلف جامعي، طبعة 2007-2008، ص-127[11]

– عبد القادر التيعلاتي: نفس المرجع ص 217 [12]

 – المصطفى معمر: مرجع سابق الذكر ص 128[13]

 المادة 53 تنص على أنه: ” يصوت على أحكام قانون المالية مادة فمادة.14
غير أنه يمكن لأحد مجلسي البرلمان إجراء تصويت إجمالي على الجزء الثاني بطلب من الحكومة أو من مكتب المجلس”

 15 المادة 54 تنص على أنه: ” يجري في شأن تقديرات المداخيل تصويت إجمالي فيما يخص الميزانية العامة وميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة وتصويت عن كل صنف من أصناف الحسابات الخصوصية للخزينة”.

 تنص المادة 55 على أنه: ” يجري في شأن نفقات الميزانية العامة تصويت عن كل باب وعن كل فصل داخل نفس الباب.16
يجري في شأن نفقات ميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة تصويت إجمالي بحسب القطاع الوزاري أو المؤسسة التابعة لها هذه المرافق.
يصوت على نفقات الحسابات الخصوصية للخزينة بحسب كل صنف من أصناف هذه الحسابات”

– امحمد قزيبر: مرجع سابق الذكر [17]

18- سيدي محمد ولد سيد آب، الوظيفة التشريعية في دول المغرب العربي، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 25، الطبعة الأولى 2001، ص:214      

19- تنص الفقرة الثانية من الفصل 55 من الدستور على أنه: ” يوقع الملك على المعاهدات ويصادق عليها، غير أنه لا يصادق على معاهدات السلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، ومعاهدات التجارة، أو تلك التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة، أو يستلزم تطبيقها اتخاذ  تدابير تشريعية، أو تتعلق بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، العامة أو الخاصة، إلا بعد الموافقة عليها بقانون.”

– الهبري الهبري: مرجع سابق الذكر ص: 133[20]

– الهبري الهبري: نفس المرجع ص 133 [21]

– الهبري الهبري: نفس المرجع ص 134[22]

– الهبري الهبري: مرجع سابق الذكر ص: 138[23]

– مصطفى منار: “الاقتطاع الضريبي و العدالة لاجتماعية” بدون دار نشر، مؤلف جامعي، السنة الحامعية 2007 ص 55-56[24]

 – امحمد قزيبر: مرجع سابق الذكر[25]

 – مصطفى منار: مرجع سابق الذكر ص 58 [26]

 – الهبري الهبري: مرجع سابق الذكر ص 163[27]

– مصطفى منار: مرجع سابق الذكر ص 56 [28]

– الهبري الهبري: مرجع سابق الذكر ص 166 [29]

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]