مجلة مغرب القانونالقانون الخاصالأهلية القانونية في العصر الرقمي

الأهلية القانونية في العصر الرقمي

السريفي ماجدة باحثة في العلوم القانونية

مقدمة:

        تعد الأهلية القانونية حجر الزاوية في نظرية  والالتزام، فهي الوعاء الذي يستوعب الحقوق والواجبات، والمحدد لمدى قدرة الشخص الطبيعي أو الاعتباري على ممارسة التصرفات القانونية التي يعتد بها المشرع، وإذا كانت القواعد التقليدية للأهلية قد استقرت عبر القرون على معايير مادية ملموسة تعتمد على السن والتمييز والوجود الفيزيائي في مجلس العقد، فإن الثورة الرقمية المعاصرة قد أحدثت زلزالاً مفاهيمياً طال هذه القواعد في جوهرها، ففي الفضاء السيبراني،[1]يختفي الجسد المادي ليحل محله” الكائن الرقمي “المكون من سلاسل من البيانات والشفرات، مما يطرح تحديات جسيمة حول كيفية التحقق من الأهلية عن بعد، وضمان سلامة الإرادة في بيئة تتسم بالسرعة واللامادية وعولمة المعاملات.

       لقد انتقل العالم من مفهوم مجلس العقد الحقيقي الذي يلتقي فيه الأطراف وجهاً لوجه، إلى”مجلس العقد الافتراضي“حيث تتم المعاملات عبر ضغطات الأزرار، وهو ما جعل القواعد الكلاسيكية للأهلية المنصوص عليها في مدونة الأسرة المغربية وقانون الالتزامات والعقود تقف أمام اختبار صعب، فالمشرع المغربي، كغيره من المشرعين في النظم المقارنة، وجد نفسه مطالبًا بسد الفجوة بين النصوص التقليدية التي وضعت لزمنالورق والقلم “وبين واقع” التوقيع الإلكتروني والهوية الرقميةوخدمات الثقة.

         إن هذا التحول يفرض إعادة قراءة معمقة لمفهوم الأهلية، ليس فقط باعتبارها حالة شخصية مرتبطة بالسن، بل باعتبارها أهلية تقنية تتطلب أدوات توثيقية تضمن أن من يبرم العقد يمتلك الصلاحية القانونية والتقنية معاً.

         إن الحديث عن الأهلية في العصر الرقمي لا ينفصل عن مفهوم “السيادة الرقمية” و”الثقة الرقمية”؛ فالمعاملات لا يمكن أن تزدهر في غياب يقين قانوني حول هوية المتعاقد وأهليته، وقد سعى المغرب من خلال ترسانة قانونية متطورة، بدءاً من القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ،[2]وصولاً إلى القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية [3]،إلى إرساء قواعد تضمن معادلة الوثيقة الإلكترونية للورقية من حيث الحجية القانونية، شريطة توافر ضمانات تقنية محددة، ومع ذلك، فإن هذه النصوص تثير تساؤلات حول مدى كفايتها لحماية الفئات الهشة، وخاصة القاصرين الذين يمتلكون مهارات تقنية تفوق إدراكهم القانوني، مما يجعلهم عرضة للاستغلال أو لإبرام تصرفات قد تعصف بذممهم الممالية.

     علاوة على ذلك، يبرز في الأفق تحدٍ أكثر تعقيداً يتعلق بكيانات الذكاء الاصطناعي والروبوتات المستقلة التي بدأت تباشر تصرفات قانونية شبيهة بتصرفات البشر، مما دفع الفقه القانوني إلى التساؤل عن إمكانية منحها نوعاً من “الأهلية الإلكترونيةأو “الشخصية الافتراضية لضبط مسؤوليتها المدنية والجنائية، هذا الجدل الفقهي، الذي يجد صدىً واسعاً في التشريعات المقارنة مثل الاتحاد الأوروبي وفرنسا، يضع المشرع المغربي أمام ضرورة الاستباق التشريعي لضمان عدم حدوث فراغ قانوني في ظل استراتيجيات التحول الرقمي الطموحة مثل “المغرب الرقمي “2030.

     تتجلى الإشكالية المحورية لهذا البحث في التساؤل التالي: إلى أي حد استطاعت الترسانة القانونية المغربية  تكييف القواعد التقليدية للأهلية مع متطلبات البيئة الرقمية المتسارعة، وكيف يمكن التوفيق بين ضرورة تسهيل المعاملات الإلكترونية وبين واجب حماية ناقصي الأهلية من مخاطر التعاقد عن بعد؟

وللإحاطة بهذا الموضوع، سنعتمد تقسيماً يرتكز على مبحثين أساسيين:

المبحث الأول: النظام القانوني للأهلية وآليات التحقق الرقمي.

المبحث الثاني: حماية ناقصي الأهلية وإشكاليات الكيانات الرقمية المستحدثة.

المبحث الأول: النظام القانوني للأهلية وآليات التحقق الرقمي

       تعتبر الأهلية المدنية للفرد مدخلاً إلزامياً لكل تصرف قانوني، فهي التي تحدد مدى نفاذ الإرادة وترتيب الآثار القانونية. وفي العصر الرقمي، لم تعد الأهلية مجرد حالة مرتبطة ببلوغ السن، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على إثبات هذه الحالة عبر وسائط تقنية موثوقة تلغي المسافات الجغرافية وتتجاوز غياب الوجود المادي.[4]

سنتناول في هذا المبحث، المرتكزات التقليدية للأهلية في البيئة الرقمية وذلك في (المطلب الأول)، ثم سنخصص (المطلب الثاني)  للتوثيق التكنولوجي وخدمات الثقة الرقمية.

المطلب الأول: المرتكزات التقليدية للأهلية في البيئة الرقمية

       تقوم الأهلية في المنظومة القانونية المغربية على ثنائية أهلية الوجوب وأهلية الأداء، وهي مفاهيم مستمدة من الفقه المالكي والقانون المدني التقليدي، إلا أن إقحام هذه المفاهيم في الفضاء الرقمي خلق نوعاً من التباين بين النص والواقع العملي[5].

        ولهذا سوف نقسم هذا المطلب الى فقرتين، حيث سنتناول في (الفقرة الأولى)الأهلية بين مدونة الأسرة وقانون الالتزامات والعقود، على أن نعالج في (فقرة ثانية )أثر الغياب المادي في مجلس العقد الإفتراضي.

الفقرة الأولى: الأهلية بين مدونة الأسرة وقانون الالتزامات والعقود

          تعتبر الأهلية من صميم الأحوال الشخصية للأفراد، حيث نص الفصل الثالث من قانون الالتزامات والعقود المغربي[6]صراحة على أن :الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية،[7]وبناءً عليه، فإن مدونة الأسرة هي المرجع الأساسي لتحديد هذه الأهلية، حيث قسمت المادة 206 الأهلية إلى نوعين: أهلية وجوب، وهي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات، وهي ملازمة له طوال حياته منذ الولادة وحتى الوفاة؛ وأهلية أداء، وهي صلاحية الشخص لممارسة الحقوق الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته، وتكتمل ببلوغ سن الرشد القانوني المحدد في 18 سنة شمسية كاملة[8].

      إن الربط بين الأهلية والقانون الشخصي في الميدان الرقمي يثير تعقيدات قانونية جمة، خاصة في المعاملات العابرة للحدود، فإذا كان سن الرشد في المغرب هو 18 سنة، وفي دول أخرى قد يكون 21 سنة، فإن المتعاقد عبر الإنترنت قد يجد نفسه أمام “تضارب في القوانين يصعب حله في لحظة التعاقد اللحظي، كما أن المادة 210 من مدونة الأسرة تقرر أن كل شخص بلغ سن الرشد يكون كامل الأهلية ما لم يثبت سبب من أسباب نقصانها أو انعدامها، وهي عوارض )كالجنون، العته، السفه) يصعب على الطرف الآخر في العقد الإلكتروني اكتشافها، مما يهدد استقرار المعاملات، وفي القانون الفرنسي المقارن، نجد أن المادة 1145 من القانون المدني تكرس نفس المبدأ بأن لكل شخص طبيعي القدرة على التعاقد ما لم يصرح القانون بخلاف ذلك، مع تحديد استثناءات دقيقة للقاصرين والمبالغين المحميين.

مقال قد يهمك :   المستهلك بين الرضائية والشروط التعسفية في العقود الاستهلاكية

الفقرة الثانية: أثر الغياب المادي في مجلس العقد الافتراضي

     يعد مجلس العقد في النظرية العامة للالتزامات المكان والزمان الذي يلتقي فيه الإيجاب بالقبول لتكوين التراضي، وفي العقد التقليدي، يسمح الوجود المادي للمتعاقدين بالتحقق البصري والحدسي من الأهلية والتمييز، أما في العقد الإلكتروني، فنحن أمام”مجلس عقد افتراضي ” يتسم باللامادية، هذا الغياب يجعل من الصعب التأكد مما إذا كان الشخص الذي يضغط على أيقونة “أوافق “هو صاحب الهوية الحقيقي أم قاصر استولى على بطاقة ائتمان والديه أو شخصاً مجنوناً في لحظة فقدان عقله.[9]

          تذهب التحليلات القانونية إلى أن العقد الإلكتروني يبرم بين أشخاص لا يجمعهم مكان واحد ولكن قد يجمعهم زمان واحد  كما في المحادثات الفورية، أو قد يفصل بينهم الزمان والمكان معاً كما في البريد الإلكتروني)  هذا التباعد أدى إلى ظهور ما يسمى بأزمة الثقة الرقمية، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على المظاهر الخارجية، مما استوجب على المشرع المغربي التدخل عبر القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة، لإيجاد بدائل قانونية للتحقق من الأهلية عبر شهادات المصادقة، الإلكترونية التي تصدرها جهات معتمدة تضمن أن صاحب التوقيع هو شخص حقيقي وكامل الأهلية.

      إن غياب مجلس العقد الحقيقي يفرض نقل عبء التحقق من الأهلية من “المتعاقد” إلى “مزود خدمة الثقة” الذي يضمن الهوية الرقمية للأطراف[10].

المطلب الثاني: التوثيق التكنولوجي وخدمات الثقة الرقمية

     لمواجهة مخاطر انتحال الشخصية ونقص الأهلية، استحدث التشريع المغربي والمقارن منظومة تقنية قانونية تهدف إلى نقل “الأهلية القانونية” من الوجود المادي إلى الوجود الرقمي الموثق عبر الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني[11].

في هذا المطلب  سنبحث في الهوية الرقمية والمنصة الوطنية للتعريف الإلكتروني (الفقرة الاولى)، ثم التوقيع الإلكتروني ومستويات الثقة في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الهوية الرقمية والمنصة الوطنية للتعريف الإلكتروني

       تعد الهوية الرقمية المعادل التقني للشخصية القانونية في العالم الافتراضي، وقد خطا المغرب خطوات جبارة في هذا الصدد من خلال إطلاق “الجيل الثاني” من بطاقة التعريف الوطنية الإلكترونية والمنصة الوطنية للثقة الرقمية[12] تتيح هذه الهوية للمواطنين إثبات هويتهم وأهليتهم أمام مقدمي الخدمات( الرقمية  البنوك، الإدارات، منصات التجارة)  بشكل آمن، حيث يتم الربط بين البيانات الحيوية للمواطن وبين حسابه الرقمي عبر رمز PIN سري أو تقنيات NFC التي تضمن اتصالاً مشفراً.

        إن فلسفة الهوية الرقمية في القانون المغربي الجديد تقوم على مبدأ التحقق دون الكشف، حيث يمكن للمنصة التأكيد على أن الشخص راشد أو مغربي الجنسية  دون الحاجة لمشاركة كل بياناته الشخصية الحساسة، مما يوازن بين مقتضيات الأهلية وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي المنظمة بالقانون [13]09.08 وتعتبر هذه المنصة أداة لتعزيز السيادة الرقمية، حيث تضمن أن الشخص الذي يباشر التصرف القانوني هو ذاته الشخص المسجل في سجلات الدولة، مما يقلص من فرص الطعن في العقود بسبب انتحال الصفة، وفي هذا الإطار، تلعب المديرية العامة للأمن الوطني دوراً محورياً في إدارة هذه المنصة، مما يضفي صبغة الرسمية على الهوية الرقمية الصادرة عنها[14].

الفقرة الثانية: التوقيع الإلكتروني ومستويات الثقة

        يمثل التوقيع الإلكتروني حجر الزاوية في إثبات الرضا والأهلية في المحررات الإلكترونية، وقد انتقل المشرع المغربي من نظام التوقيع “المؤمن” الوحيد في القانون 53.05 الذي اتسم بالتعقيد والقيود إلى نظام مستويات الثقة في القانون 43.20 تماشياً مع المعايير الدولية واللائحة الأوروبية [15]eIDAS يهدف هذا الانتقال إلى جعل التوقيع الإلكتروني أكثر مرونة وتنوعاً حسب طبيعة المعاملة والمخاطر المرتبطة بها.[16]

      صنف القانون 43.20 التوقيع الإلكتروني إلى ثلاث درجات: التوقيع الإلكتروني البسيط، والتوقيع المتقدم ، والتوقيع المؤهل، ويشترط في التوقيع الإلكتروني المؤهل وهو الأعلى درجةأن يستند إلى شهادة إلكترونية مؤهلة تسلمها جهة معتمدة بعد التحقق الصارم من هوية الشخص وأهليته القانونية، كما يجب أن يتم إنشاؤه بواسطة “آلية لإنشاء التوقيع الإلكتروني المؤهلة”. يتمتع هذا المستوى من التوقيع بقرينة الموثوقية القانونية، حيث تقع مسؤولية إثبات عكس ذلك على من يدعي بطلانه، وهو ما يمنح الأطراف ضمانة قوية بأن المتعاقد الآخر كان متمتعاً بكامل أهليته وقت التوقيع.

المبحث الثاني: حماية ناقصي الأهلية وإشكاليات الكيانات الرقمية المستحدثة

      إذا كان العصر الرقمي قد وفر أدوات تقنية لإثبات الأهلية، فإنه في الوقت ذاته قد فتح أبواباً جديدة لاستغلال ناقصي الأهلية أو وقوعهم في الغلط والتدليس، كما أفرز كيانات جديدة، كالذكاء الاصطناعي، بدأت تبرز كأطراف فعلية  في التعاقد، مما يفرض تحديات قانونية وأخلاقية تتطلب استجابة تشريعية مبتكرة[17].

إنطلاقا مما سبق إرتأينا أن نقسم هذا المبحث إلى مطلبين: حيث سنعالج في (المطلب الأول) حماية القاصر ونظام النيابة الشرعية الرقمية، على أن نخصص (المطلب الثاني) للتحديات القانونية للذكاء الاصطناعي والتوجهات المستقبلية.

المطلب الأول: حماية القاصر ونظام النيابة الشرعية الرقمية

يعد القاصر هو الطرف الأكثر عرضة للمخاطر في الفضاء الرقمي؛ فهو يمتلك المهارة التقنية للوصول إلى المنصات العالمية، ولكنه يفتقر إلى الإدراك القانوني لتبعات تصرفاته، مما يضع نظام النيابة الشرعية أمام تحديات رقابية معقدة.

الفقرة الأولى: مسؤولية النائب الشرعي والرقابة الرقمية

مقال قد يهمك :   السجل الوطني الإلكتروني للضمانات المنقولة (بلاغ)

          تنص  مدونة الأسرة على أن “النائب الشرعي يقوم برعاية شؤون المحجور الشخصية والمالية والإشراف عليها”،وهذه الولاية تمتد لتشمل النشاط الرقمي للقاصر، ومع ذلك، فإن الطبيعة اللامادية للإنترنت تجعل الرقابة القبلية للولي ( الأب أو الأم أو الوصي) شبه مستحيلة في الواقع العملي؛ فالقاصر قد يبرم عقود اشتراك دورية أو يشتري “أصولاً افتراضية” أو عملات مشفرة في ثوانٍ دون علم وليه[18].

       تثير المسؤولية المدنية للولي عن أفعال القاصر الرقمية جدلاً قانونياً واسعاً ،فوفقاً للفصل 85  من قانون الالتزامات والعقود، يسأل الأب والأم عن الأضرار التي يحدثها أبناؤهم القاصرون الساكنون معهم، وتلزمهم هذه المسؤولية ما لم يثبتوا أنهم باشروا كل الرقابة الضرورية.[19]

       في البيئة الرقمية، تقع على الولي واجبات “الرقابة الرقمية اليقظة”، حيث إن إهمال الولي في حماية كلمات السر أو ترك بطاقات الائتمان في متناول القاصر قد يجعله مسؤولاً تجاه الغير حسن النية.

         وتتجه التشريعات المقارنة، كالفرنسية، إلى تقنين السيطرة الأبوية“(Parental Control) كواجب قانوني لحماية القاصر من المحتويات الضارة ومن إبرام تصرفات مالية تفوق قدرته، مع التزام المنصات بتوفير أدوات تقنية للتحقق من موافقة الولي لمن هم دون 15 سنة[20].

الفقرة الثانية: إبطال العقود الإلكترونية وحماية المستهلك القاصر

        تعتبر تصرفات القاصر المميز في القانون المغربي دائرة بين النفع والضرر، وهي قابلة للإبطال  لمصلحته حصرا، وفي سياق التجارة الإلكترونية، يمنح القانون رقم [21]31.08 المتعلق بحماية المستهلك حماية إضافية، حيث يمكن إبطال العقد إذا تبين أن المستهلك قاصر، حتى لو ادعى كمال الأهلية وقت التعاقد، ما لم يكن قد استخدم طرقاً احتيالية متطورة لإخفاء سنه.[22]

      وتكمن الصعوبة العملية في تنفيذ قرارات الإبطال ضد شركات تكنولوجية دولية” لا مادية” حيث يواجه القاصر صعوبة في رفع دعاوى الإبطال أمام محاكم أجنبية نظراً للتكاليف الباهظة، لذا، تبرز أهمية الحق في التراجع  المنصوص عليه في المادة 36 من قانون حماية المستهلك، والذي يمنح المستهلك أجلاً لسبعة أيام كاملة للتراجع عن العقد دون تبرير، وهو حق يمكن للولي ممارسته نيابة عن القاصر لتدارك التصرفات غير المدروسة، وفي حالة إبطال العقد بسبب نقص الأهلية، يلتزم القاصر برد ما استفاده فقط من العقد؛ فإذا كان قد أنفق ما تسلمه في مصروفات ضرورية أو كان الشيء لا يزال موجوداً في ماله، وجب رده، أما إذا بذره فيما لا يعود عليه بالنفع، فلا رجوع عليه بشيء وفقاً للمادة 31 من القانون الموريتاني[23] المقارن والمنطق العام للقانون المغربي.

المطلب الثاني: التحديات القانونية للذكاء الاصطناعي والتوجهات المستقبلية

      مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة وإبرام صفقات مالية معقدة دون تدخل بشري مباشر، بدأ القانون يواجه سؤالاً فلسفياً وقانونياً: هل يمكن منح “الأهلية” أو “الشخصية” لغير البشر؟.

الفقرة الأولى: الجدل الفقهي حول الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي

     انقسم الفقه القانوني حيال منح الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى ثلاث مدارس رئيسية، المدرسة الأولى ترفض الفكرة تماماً، معتبرة أن الأهلية مرتبطة جوهرياً بالإدراك البشري والروح والمسؤولية الأخلاقية، وأن الروبوت ليس سوى “آلة متطورة” أو “شيء” يخضع لقواعد مسؤولية حارس الشيء )الفصل 88 من ق ل.ع)[24] أما المدرسة الثانية، فتدعو إلى منح الذكاء الاصطناعي”شخصية قانونية إلكترونية “محدودة، على غرار الشخصية المعنوية للشركات، لتمكينه من إبرام العقود وتحمل المسؤولية عبر”صندوق تأمين “خاص يموله المصنعون والمشغلون ،والمدرسة الثالثة تقترح مفهوم”الشخصية الافتراضية”التي تتناسب مع الطبيعة الرقمية لهذه الكيانات وتسمح بضبط تصرفاتها القانونية دون مساواتها بالبشر.[25]    

     إن منح الأهلية للذكاء الاصطناعي سيعني اعترافاً بقدرته على التعبير عن إرادة قانونية ،وهو ما يثير إشكالات حول عيوب الرضا؛ فكيف يمكن تصور وقوع خوارزمية في الغلط أو “التدليس“؟.

            يرى جانب من الفقه المغربي أن القواعد الحالية للمسؤولية التقصيرية والعقدية لا تزال قادرة على استيعاب هذه المستجدات عبر تحميل المتبوع( صاحب النظام)مسؤولية أفعال تابعه   ( النظام الذكي)، أو اعتبار العقد مبرماً من قبل الإنسان باستخدام الآلة كأداة تنفيذية فقط، ومع ذلك، فإن الطبيعة الاستقلالية للذكاء الاصطناعي التوليدي قد تجعل من الصعب إرجاع كل خطأ إلى مبرمج بشري، مما يقوي الحجة الداعية لإقرار ذمة مالية مستقلة لهذه الأنظمة.

الفقرة الثانية: الاستراتيجية التشريعية المغربية Digital X.0 ومغرب 2030

     يسعى المغرب لمواكبة هذه التطورات من خلال رؤية استراتيجية متكاملة تتجسد في مشروع قانون إطاري جديد يعرف بـ [26]“Digital X.0”. يهدف هذا القانون إلى وضع المغرب في صدارة الدول التي تقنن الذكاء الاصطناعي وحكامة البيانات والسيادة الرقمية، حيث سيتضمن مبادئ أخلاقية وقانونية لاستخدام الخوارزميات في القطاعين العام والخاص، مع التركيز على حماية حقوق الأفراد وأهليتهم[27].

           تتضمن هذه الاستراتيجية إنشاء “مديرية عامة للذكاء الاصطناعي”تسهر على ضمان أن الأنظمة الذكية تعمل تحت رقابة بشرية ،(Human-in-the-loop)وهو ما يعني أن الأهلية القانونية النهائية ستظل مرتبطة بالإنسان، بينما تعمل الأنظمة الذكية كـ “وكلاء رقميين” بتفويض صريح.

            كما أن المغرب يحضر لمشروع القانون 42.25 المتعلق بالأصول الرقمية والتمويل اللامركزي، والذي سيتطلب تحديد شروط أهلية خاصة للمتعاملين في هذه الأسواق عالية المخاطر لضمان حماية المدخرات الوطنية واستقرار النظام المالي.

      إن الهدف النهائي هو بناء بيئة رقمية آمنة تعترف بالتطور التقني وتوفر في الوقت ذاته الضمانات القانونية الكافية لحماية الذمة المالية للأفراد والكيانات.

         في الختام، يتبين أن الأهلية القانونية في العصر الرقمي لم تعد مجرد  حق بيولوجي يكتسب بالسن، بل أصبحت استحقاقاً تقنياً  يتطلب بنية تحتية تشريعية وتقنية متطور.

مقال قد يهمك :   ملف جنحي : حيازة شيكات بنكية بقيمة مليون درهم أثناء عبور الحدود يشكل مخالفة مصرفية

      لقد استطاع المغرب، من خلال الانتقال الجريء من القانون 53.05 إلى القانون 43.20ومن خلال المنصة الوطنية للهوية الرقمية، أن يضع الركائز الأساسية لبيئة تعاقدية آمنة تعوض غياب مجلس العقد المادي بـ “مجلس عقد موثوق” تقنياً، ومع ذلك، فإن التحدي يظل مستمراً في مجال حماية القاصرين من الإغراء الرقمي والتعاقد اللحظي، وفي مجال مواجهة استقلالية الذكاء الاصطناعي التي قد تخلخل مفهوم “الإرادة” التقليدي.

إن المستقبل يتطلب تبني مقاربة “الأمان القانوني بالتصميم” Legal Security by Design حيث تدمج قواعد الأهلية والحماية مباشرة في شيفرات البرمجيات والمنصات، ليكون القانون حارساً فعالاً للإنسان في عالم تزداد فيه سيطرة الأرقام والخوارزميات.


الهوامش:

[1] بمصطلح” الفضاء السبرنيتي ” Cyberespace من قبل مبدعه الكاتب الأمريكي المختص في علم الخيال وليام غيبسنGIBSON William الوارد في مؤلفه الذي يحمل عنوان “Newromancer”، والمنشور عام 1984، ويطرح الكاتب دومينيك نورا “NORA Dominique “مصطلحا فرنسيا جديدا هو” العالم السبرنيتي “Cybermonde “في مؤلفه الصادر سنة 1995 تحت  عنوان “المنافسين في العالم السبرنيتي”Les cybermonde du conquérants   ( ليلى فيلالي: أزمة القيم في ظل العولمة الإتصالية (مقاربة لتفعيل المنظور الخلدون)، ص: .19)، نتيجة لذلك ظهر مصطلح المجتمع الإفتراضي في صورته الإنجليزية عنوانا لكتاب هووارد راينجولد Rheingold) 1993 )ويعني جماعة من البشر تربطهم اهتمامات ّ مشتركة، ولا تربطهم بالضرورة حدود جغرافية أو سياسية أو قبلية أو أواصر عرقية، يتفاعلون عبر وسائل الإصال ومواقع التواصل الإجتماعية الحديثة، بينهم شروط الإنتساب إلى الجماعة وقواعد الدخول والخروج وآليات التعامل والقواعد والأخالقيات التي ينبغي مراعاتها. وبتعبير دي موور ووايجاند and Moor de  Weigand المجتمع الإفتراضي هو “نظام اجتماعي تكنولوجي”. ( عثمان، إبراهيم، مقدمة في علـم الإجتمـاع .دار الشروق للـنشر والتوزيع، عمان، الأردن2004 ص 35.

[2] -ظهير شريف رقم 1.07.129صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30نوفمبر2007) بتنفيذ القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 25 ذو القعدة1428(6ديسمبر2007)، ص3879.

[3] -ظهير شريف رقم 1.20.100 الصادر بتاريخ 16 جمادى الأولى 1442 (31 يسمبر 2020) بتنفيذ القانون رقم  المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6951 بتاريخ 27 جمادى الأولى (11 يناير 2021) ص 271.

[4] -حارث صلاح الدين محمود لطيف، “تحديد هوية وأهلية المتعاقد الإلكتروني”، مجلة المدارات العلمية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 3، العدد 1، العراق 2025، ص 319.

[5] سهام مزكول، الرقابة القضائية على أموال القاصر، رسالة نهاية التكوين في الملحقين القضائيين، المعهد العالي للقضاء، الفوج 39، السنة القضائية ص 15

[6]  ظهير 9 رمضان  1331 موافق ل 12 أغسطس 1913 المتعلق بقانون الإلتزامات والعقود

[7] – ينص الفصل الثالث من ظهير الإلتزامات والعقود على أن ُ: الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية.

وكل شخص أهل للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك.

[8]  أنظر المواد 206-207-208 من القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة

[9] -سعد حسين عبد ملحم، “الاعتراف للذكاء الاصطناعي بالشخصية القانونية بين الواقع والقانون”، مجلة دراسات البصرة، السنة التاسعة عشرة، ملحق العدد 56، (العراق: جامعة الفلوجة، كلية القانون، 2024)، ص 119.

[10] حمزة شكبي، “حل المنازعات الناتجة عن مجلس العقد الإلكتروني على ضوء التشريع المغربي والمقارن بين العجز والإمكان”، موقع الجامعة القانونية المغربية الافتراضية (aljami3a.com)، منشور بتاريخ 11 سبتمبر 2025.

[11] -> شرف الإدريسي، “التوقيع الإلكتروني في ضوء القانون 43.20″، منصة مغرب القانون (marocdroit.com)، منشور بتاريخ 03 يوليو 2024.

[12]  أنظر الرابط هنا 

[13] – ظهير شريف رقم 1.09.15 صادر في 22 من صفر1430 (18فبراير2009) بتنفيذ القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 27 صفر1430(23فبراير2009)، ص552.

[14] حفيظة بيزنكاض، “الحماية القانونية للمتعاقد الإلكتروني”، مجلة القانون والأعمال الدولية (droitetentreprise.com)، منشور بتاريخ 8 أبريل 2021.

[15]  أنظر الموقع التالي: eIDAS Dashboard

[16]  أشرف الإدريسي، “التوقيع الإلكتروني في ضوء القانون 43.20″، م س.

[17] -ضياء نعمان، “المصادقة الإلكترونية على ضوء قانون التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية”، موقع ، (https://www.google.com/search?q=e-connaissancejuridique.com)منشور بتاريخ 29 يناير 2024.

[18] -لحبيب السرناني، “خصوصيات العقد الإلكتروني وأركانه”، مجلة قانونك الإلكترونية (9anonak.com)

[19] -إكرام زروق، “التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية: الواقع وسبل الحماية”، موقع (https://www.google.com/search?q=e-connaissancejuridique.com)،  منشور بتاريخ 1 نوفمبر 2023.

[20]  Conseil National des Barreaux, “Régulation numérique : consécration du droit à la vie privée et à l’image de l’enfant”, Publication de la circulaire de la loi n° 2024-120 du 19 février 2024, (France), 29 mai 2024.

[21] -ظهير شريف رقم 1.11.03 صادر في14من ربيع الأول1432 (18فبراير2011) بتنفيذ القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، -الجريدة الرسمية عدد5932بتاريخ 3 جمادى الأولى 1432(7أبريل2011)، ص1072.

[22] – حفيظة بيزنكاض، “الحماية القانونية للمتعاقد الإلكتروني، م س.

[23] =محفوظ ولد أحمد ولد سيدي عبد الله، “تصرفات القاصر المميز الدائرة بين النفع والضرر بين القابلية للإبطال والإجازة في ضوء القانون الموريتاني”، مجلة قانونك الإلكترونية، 9 https://anonak.comتاريخ الاطلاع: 17دجنبر 2025 على الساعة 21.13 دقيقة.

[24]  ينص الفصل 88 من قانون الإلتزامات والعقود على  ما يلي: كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته، إذا تبين أن هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر، وذلك ما لم يثبت:

1 – أنه فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر؛

2 – وأن الضرر يرجع إما لحادث فجائي، أو لقوة قاهرة، أو لخطأ المتضرر.

[25]  فؤاد بنصغير، الذكاء المدني مقال منشور على الموقع التالي: https://www.hespress.com/%D

[26] أنظر-sgg.gov.ma/Portals/1/veille_juridique/actualite_numerique/aj_03112025.pdf

[27]– أنظر file:///C:/Users/hp/Downloads/PlaquetteInstitutionnel_18092024_Ara.pdf

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]