ياسين الفاسي: مسطرة التطليق بسبب الشقاق على ضوء مدونة الأسرة وواقع القضاء

ياسين الفاسي محام بهيئة المحامين بالحسيمة
جاءت مدونة الأسرة المغربية بمجموعة من المضامين الجديدة التي لم يكن معمولا بها في إطار التشريع السابق الذي اصطلح عليه أنذاك مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957 كما وقع تعديلها سنة 1993، ذلك أن أهم مستجدات المدونة ذات القانون رقم 70.03 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 05 فبراير 2004 في عهد رئيس الحكومة (الوزير الأول) إدريس جطو، هي مسطرة التطليق بطلب أحد الزوجين بسبب الشقاق كما جاء في الباب الأول من القسم الرابع من مدونة الأسرة دون بيان المشرع لمفهوم الشقاق و مظاهره ولكن يستشف من خلال إجتهاد من تناولوا الموضوع من جهة وواقع حالات ونوازل عرضت على القضاء من جهة ثانية أن مفهوم الشقاق ينصرف إلى الخلافات أو النزاعات الشديدة بين الزوجين التي قد تصل لمرحلة العداوة بما يتنافى وقواعد وأسس قيام العلاقة الزوجية وإستمرارها.
لكن ما يتضح بالمقابل واقعا أن مسطرة التطليق بسبب الشقاق يتم سلوكها ولو في غير حالات الخلاف أو النزاع الحاد بمفهوم الشقاق، بمعنى أن مسطرة التطليق للشقاق يتم اللجوء إليها كمسلك وحيد في غالب حالات طلبات التطليق من جانب واحد بغض النظر عن الأسباب الموضوعية للدعوى وخصوصيات كل نازلة على حدة، فواقع الحال أكد أن المحاكم المغربية لم تقضي يوما برفض طلب التطليق للشقاق بعلة أن السبب الذي صرح به طالب التطليق أو طالبة التطليق لا يشكل إستحالة لإستمرار العلاقة الزوجية بين الزوجين أو كون النزاع حاد أو عميق بينهما، الشيء الذي يؤكد أن هذه المسطرة أضحت متاحة لجميع الأزواج سواء كانت طلباتهم مؤسسة على سبب جدي قد يصل لدرجة الشقاق أم كانت هناك أسباب أخرى لا علاقة لها بالشقاق.
المبحث الأول: دعوى التطليق بسبب الشقاق.
تنص المادة 94 من مدونة الأسرة على أنه إذا طلب الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق، وجب عليها (المحكمة) أن تقوم بكل المحاولات لإصلاح ذات البين طبقا لأحكام المادة 82 من نفس المدونة، وبملاحظة مضمون هذه المادة سيتضح ببساطة أن الطرفين في العلاقة الزوجية أو أحدهما يمكن له أن يرفع طلب للمحكمة المختصة من أجل حل نزاع طال العلاقة الزوجية، وبذلك وجب على المحكمة أن تنظر في طلبهما أو طلب أحدهما وتبادر لسلوك جميع المحاولات لإصلاح ذات البين ومن مجمل ما يمكن القيام به من طرف المحكمة إستنادا للمواد المذكورة أعلاه والمادة 83 كذلك هو إجراء جلسات الاستماع بغرض الإصلاح بين الزوجين والأمر بإنتداب حكمين لإستقصاء أسباب النزاع وبذل المجهود لإنهاء هذا النزاع أو التخفيف من حدته لدرجة ضمان إستمرار العلاقة بين الزوجين، وفي حالة عدم فاعلية هذه الوسائل المتعلقة بمسطرة الصلح من خلال جلسات الاستماع والمناقشة من جهة وبمسطرة الحكمين من جهة ثانية يمكن للمحكمة سلوك محاولات أخرى لإنهاء النزاع بكل وسيلة تراها مناسبة، مما يتضح من مضمون المادة 94 من مدونة الأسرة وما ارتبط بها من مواد وما بعدها من مواد أن غاية المشرع من سلوك مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد المذكورة هو إنهاء الخلافات أو النزاعات التي تعاني منها العلاقة الزوجية، بمعنى ليس الوصول لهدف إصدار حكم يقضي بتطليق الطرفين أو تطليق أحدهما من عصمة الآخر، بل الغاية الأسمى هي إصلاح ذات البين وتجاوز النزاع أو الخلاف الذي حال دون إستمرار العلاقة الزوجية وتجاوز السبب الذي لجأ بسببه أحد الطرفين أو هما معا لسلوك مسطرة الشقاق انطلاقا من مضامين المادة 94 وجعل الحكم بإنهاء العلاقة الزوجية نتيجة لفشل جميع المحاولات الهادفة لإصلاح ذات البين و تجاوز الخلاف بعد إستنفاذ جميع الوسائل الممكنة.
لكن يبقى الواقع عكس ما تم تحليله أعلاه نسبيا، إذ أن دعوى التطليق بسبب الشقاق في إطار نفس المسطرة المذكورة والتي تسجل لدى المحاكم لا تكون الغاية منها هو طلب حل النزاع بتجاوز سبب الشقاق في حالة وجوده حقا، وإنما الغاية من مسطرة التطليق للشقاق هو إصدار حكم يقضي بإنهاء العلاقة الزوجية، وهذه الغاية تتضح واقعيا لدى الطرف الذي يبادر لسلوك مسطرة التطليق بسبب الشقاق وغالب الأطراف المتدخلة في المسطرة، وبملاحظة واقع جلسات الصلح وكثرة الملفات التي تعرض في جلسة صلح واحدة وشروط تكوين الأطراف الحاضرة بجلسة الصلح وباقي الشروط الموضوعية التي تحيط بجلسات الصلح، وعدم لجوء الكثير من مجالس القضاء للوسائل الأخرى المتاحة لإصلاح ذات البين في إطار المادتين 95 و 96 من مدونة الأسرة، كلها أسباب و عوامل جعلت غاية المشرع من تشريع أحكام المواد 94، 95، 96 من مدونة الأسرة لا تتحقق على أرض الواقع بحل النزاعات والخلافات التي تعترض العلاقة الزوجية وبجميع المحاولات والوسائل الممكنة المنصوص عليها في المواد أعلاه أو غير ذلك حسب إجتهاد مجالس القضاء.
وهذا التناقض بين ما نصت عليه مضامين النصوص أعلاه وواقع النوازل التي عرضت وتعرض على القضاء يجعلنا نطرح الكثير من الأسئلة مجمل مضمونها من يتقاسم مسؤولية تسهيل حصول الطرف الطالب على حكم التطليق من جهة و إفراغ مسطرة الصلح من مضمونها ومعها مضامين المواد 96،95،94 ومن الغاية التي شرعت من أجلها والتي يمكن إجمالها في الأسباب الآتية:
– قلة الوعي بأهمية مؤسسة الزواج وإستمرارها وتأثير ذلك إيجابيا على طرفيها والأبناء من جهة وعلى المجتمع وإستقراره من جهة ثانية.
– قلة التكوين و التجربة لدى الأطراف المعنية بمسطرة الصلح، فلا يعقل إجراء جلسات الاستماع والمناقشة لأجل الصلح بواسطة مجالس عدالة (قضاة، محامين…) تتكون من أشخاص غير متزوجين ولا يعلمون عن العلاقة الزوجية الشيء الكثير وأهم الأشياء وبالتالي الوسائل الممكنة والخطاب المناسب لتجاوز نوع معين من المشاكل الزوجية بالمقارنة مع غيرها من المشاكل الأخرى، ونظرا لخصوصية العلاقة الزوجية المؤسسة على عقد مختلف تماما عن باقي العقود الأخرى التي تنظم باقي العلاقات بين الأطراف داخل المجتمع، لكون عقد الزواج عهد وميثاق يرتبط بموجبه الزوجين ارتباطا وثيقا لمدة غير محدودة وقد سماه سبحانه وتعالى بالميثاق الغليظ بموجب الأية 20 من سورة النساء، بحيث تحظى مؤسسة الزواج بخصوصية وأهمية بالمقارنة مع غيرها من المؤسسات، وتتميز بمميزات وخصائص لا يمكن العلم بها إلا من خلال التواجد داخلها وعيش أهم مراحلها وتفاصيلها، بالإضافة إلى الإستفادة من تكوينات تتعلق ببعض فصول علم الإجتماع وعلم النفس التي تعمل على دراسة هذه المؤسسة الإجتماعية، كلها هي شروط غائبة لدى الغالب ممن يكون طرفا حاضرا وفاعلا في جلسات الصلح وباقي ما يرتبط بمسطرة الصلح من إجراءات، مما يستحيل معه تحقيق الأهداف المسطرة من خلال تشريع مضامين المواد96.95.94 من مدونة الأسرة، بحيث أضحت مسطرة الصلح شكلية لدى غالبية الفاعلين ضمنها أو ضمن مسطرة التطليق للشقاق بشكل عام وتجاوزت الغرض من التنصيص عليها، وغالبا بعد استنفاذ جلسة الصلح الأولى وتسجيل فشلها فإن المحكمة تكون ملزمة بتأجيل تسجيل فشل مسطرة الصلح برمتها لجلسة أخرى يفصل بينها وبين الأولى شهر على الأقل في حالة وجود أطفال قاصرين، بحيث يتم اختصارها(جلسة الصلح الثانية) في غالب الحالات بسؤال الطرفين عن وقوع صلح بينهما من عدمه خارج أسوار المحاكم دون المحاولة من جديد معهما للوصول لإصلاح ذات البين بكل الوسائل الممكنة والممنوحة للمحكمة بموجب المواد المذكورة أعلاه، وبذلك تعمل المحاكم على إحالة الملفات على الجلسة العلنية بعد تسجيل فشل مسطرة الصلح بين الطرفين وبعد الجلسة العلنية يتم حجز ملفات قضايا التطليق للمداولة وإصدار أحكام التطليق بسبب الشقاق في حالة تقديم طلبات التطليق للشقاق من قبل الزوجة وإصدار أمر بتحديد مستحقات الزوجة في حالة تقديم طلبات التطليق للشقاق من طرف الزوج، وفي هذه الأخيرة وبعد الأمر بتحديد المستحقات وأداء هذه الأخيرة تحجز ملفات قضايا التطليق للمداولة وإصدار حكم التطليق بسبب الشقاق، وفي حالة عدم إيداع المستحقات المحددة تقضي المحكمة بإعتبار المدعي متراجعا عن طلبه الرامي للتطليق.
المبحث الثاني: الإختصاص في دعوى التطليق بسبب الشقاق.
تبقى المحكمة الإبتدائية حيث يوجد عنوان بيت الزوجية أو موطن الزوجة أو مكان إبرام عقد الزواج بأقسام قضاء الأسرة التابعة لها هي المختصة بالنظر في الطلبات الرامية للتطليق بسبب الشقاق، إلا أنه ليس هناك ما يمنع تسجيل هذه الطلبات أمام أي محكمة غير مختصة في حالة عدم منازعة الطرف المدعى عليه أو عدم إثارته لدفع عدم الإختصاص الترابي، هذا الأخير يقصد به فقهيا تجريد المحكمة التي تنظر في القضية المعروضة عليها من البت فيها لفائدة محكمة أخرى، وهذه الأخيرة يجب أن يحددها من دفع بعدم الاختصاص الترابي كشرط قبول الدفع في حالة كونه جاء مؤسسا، لكون الإختصاص في هذا النوع من الدعاوي ليس من النظام العام وعلى المدعى عليه الذي له مصلحة في النازلة أن يثير عدم الإختصاص الترابي للمحكمة التي سجلت أمامها دعوى التطليق للشقاق وبيان المحكمة المختصة في حالة كون الدعوى سجلت أمام محكمة خارج الحالات المذكورة في أحكام الفصل 212 من قانون المسطرة المدنية والمادة 79 من مدونة الأسرة، أي في حالة تقديم دعوى أمام محكمة لا توجد به لا بيت الزوجية ولا موطن الزوجة ولا مكان إبرام عقد الزواج الذي يربط الطرفين وذلك قبل أي دفع يمس موضوع النازلة، بحيث إذا لم يتم إثارة الدفع بعدم الإختصاص منذ الوهلة الأولى ومباشرة بعد التوصل بإستدعاء جلسات ملف النازلة سيواجه الطرف المدعى عليه بإثارة الدفع المذكور بعد مناقشة موضوع النازلة سواء شفويا أو كتابيا بموجب مذكرات الدفاع أو الأطراف وبذلك تكون المحكمة ملزمة بالحكم في طلب التطليق متى كانت الدعوى مستقيمة بجميع شروطها وإجراءاتها وتقضي بالمقابل برد الدفع بعدم الإختصاص المثار لتقديمه بعد فوات الأوان طبقا لأحكام الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية، وللمحكمة في هذه الحالة أن تبت في الدفع بعدم الإختصاص المكاني أو الترابي بموجب حكم مستقل أو بالصيغة المذكورة أعلاه بضمه للجوهر، وذلك عكس ما يجب في حالة إثارة الدفع بعدم الإختصاص النوعي الذي يلزم المحكمة وجوبا بضرورة البت فيه بحكم مستقل دون ضمه للموضوع أو الجوهر في حالة كون الدفع موضوعي ومؤسس.
والإختصاص النوعي للبت في طلبات التطليق بسبب الشقاق ينعقد حصريا لأقسام قضاء الأسرة التابعة للمحاكم الإبتدائية دون غيرها من الأقسام المكونة لنفس المحاكم، وذلك رغبة من المشرع في جعل الإختصاص النوعي في قضايا الأسرة من النظام العام، وفي حالة رفع بعض طلبات التطليق بسبب الشقاق أمام غرف أو أقسام أخرى أمام المحاكم الإبتدائية، فإن المحكمة في إطار هذه الغرف أو الأقسام تعمل على إصدار أمر بإحالة ملف النازلة على قسم قضاء الأسرة بنفس المحكمة للبت في الطلب سواء تم إثارة أمر عدم الإختصاص النوعي من قبل الطرف المدعى عليه أو من قبل المحكمة بشكل تلقائي.
وأخيرا أرى أن تحقيق مفهوم العدالة لطرفي دعوى التطليق بسبب الشقاق يبقى أمرا صعبا خصوصا أمام مرونة إجراءات هذه المسطرة التي يعفى فيها الطرف الطالب من إثبات عناصر عدة أولها إثبات الواقعة أو السبب الذي يشكل مفهوم الشقاق في نازلته من جهة، وتعدد الأهداف والغايات من اللجوء لهذه المسطرة من طرفي العلاقة الزوجية سواء كان سببه موضوعي واقعي من عدمه من جهة ثانية، وهو ما يجعل الكثير من الأشخاص إناثا وذكورا من الفئة الشابة في الوقت الحديث يتساءل ثم يتساءل قبل الإقدام على الدخول في علاقة زوجية إستنادا لرغبة الشريعة الاسلامية التي تجسدها عدة آيات وأحاديث أهمها قوله تعالى في سورة الروم، الآية21: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، خصوصا أمام الأرقام الخيالية لأحكام مسطرتي التطليق والطلاق التي تصدر يوميا عن المحاكم المغربية.
