مجلة مغرب القانونفي الواجهةحسن مازوزي: توحيد الاجتهاد القضائي بين منطق النقض وآليات التنسيق الأفقي  

حسن مازوزي: توحيد الاجتهاد القضائي بين منطق النقض وآليات التنسيق الأفقي  

حسن مازوزي محام بهيئة المحامين بالقنيطرة

       يُطرح اليوم، بإلحاح متزايد، سؤال توحيد الاجتهاد القضائي في المغرب في سياق يتسم بتضخم غير مسبوق في عدد القضايا والطعون المعروضة على محكمة النقض. وغالبًا ما يُختزل هذا النقاش في فقدان “هيبة” القرار النقضي أو في محدودية أثره التوحيدي، غير أن هذا التفسير، على وجاهته الجزئية، لا يستوعب سوى جزء من الإشكال.

إذ يكشف التحليل البنيوي أن تضخم الطعون لا يرتبط فقط بضعف الأثر البَعدي للاجتهاد النقضي، بل كذلك بغياب آليات قبليّة موازية تُعنى بتدبير الاختلاف الاجتهادي داخل محاكم الموضوع، قبل أن يتحول هذا الاختلاف إلى مسار طعن شبه تلقائي.

 أولًا: محكمة النقض وحدود التوحيد البَعدي للاجتهاد

    من الناحية الوظيفية، تُناط بمحكمة النقض مهمة توحيد تفسير القانون في مستواه النهائي، من خلال مراقبة حسن تطبيقه لا إعادة مناقشة وقائع النزاع. غير أن الواقع العملي يُظهر أن غياب آليات وقائية داخل محاكم الموضوع يجعل من النقض فضاءً لتجميع آثار تضارب اجتهادي سابق، بدل أن يظل أداة لترسيخ الاستقرار. وهكذا تُحمَّل محكمة النقض وظيفة وقائية لم تُصمَّم لها بنيويًا، فتتضخم ملفاتها، وتتراجع قدرتها على إنتاج اجتهاد نوعي مستقر.

ثانيًا: التجربة الإسبانية وتدبير الاجتهاد بمنطق أفقي

      تُقدّم التجربة الإسبانية نموذجًا مغايرًا، يقوم على الفصل الوظيفي بين التوحيد النهائي للاجتهاد وتدبير الاختلاف القبلي.  ففي إسبانيا، لا يُنظر إلى المحكمة العليا باعتبارها الأداة الوحيدة لتحقيق الاستقرار القضائي بل تُكمَّل بآليات تنسيق أفقي داخل القضاء نفسه، من أبرزها شبكة ( Red Judicial Española de Cooperación Judicial Internacional).  REJUE  الشبكة القضائية الإسبانية للتعاون القضائي الدولي , وإن كان الاختصاص الأصلي لها ينصب على التعاون القضائي الدولي، فإن ممارستها العملية أفرزت، بحكم تركيبتها ووظيفتها، أثرًا غير مباشر في توحيد الممارسة القضائية داخليًا.

مقال قد يهمك :   إعلان مهم للراغبين في الاستفادة من الإعفاء الضريبي

      أنشئت الشبكة القضائية الإسبانية للتعاون القضائي الدولي بمقتضى اللائحة رقم 1/2018 التي أقرها المجلس العام للسلطة القضائية في 27 سبتمبر 2018 و المتعلقة بالمساعدة القضائية الدولية وشبكات التعاون , وتضم قضاة من مختلف أنحاء إسبانيا و تحدد هذه اللائحة كيفية عمل الشبكة وأقسامها (المدنية والجنائية) ومهام أعضائها، وكيفية عملهم ولم يكن تنظيم هذه الشبكة استجابة ظرفية أو مبادرة معزولة، بل جاء تتويجًا لمسار عملي سابق، كانت خلاله تشتغل فعليًا استنادًا إلى قرارات وتفاهمات صادرة عن المجلس العام للسلطة القضائية، قبل أن يتم تقنينها بموجب اللائحة التنظيمية التي منحتها إطارًا مؤسساتيًا واضحًا، وحددت بدقة مجالات تدخلها، وبنيتها الوظيفية، ومهام أعضائها، بما ينسجم مع التطورات المتسارعة للتشريع الأوروبي والدولي في مجال التعاون القضائي. وخلال هذه المرحلة، لم يقتصر نشاط الشبكة على مهامها الأصلية المرتبطة بالتعاون القضائي الدولي، بل اضطلعت كذلك، بحكم بنيتها الأفقية وتركيبتها المهنية، بوظيفة تنسيقية غير مباشرة أسهمت في تقليص مظاهر التباين الاجتهادي داخل محاكم الموضوع، خارج منطق التوحيد العمودي الذي يظل من صميم اختصاص المحكمة العليا. وقد تم ذلك عبر آليات استشارية وتنسيقية قائمة على التبادل المهني بين قضاة ذوي خبرة، يتم اختيارهم ضمن الشبكة، ونظرائهم بمختلف الدوائر القضائية، في إطار تكوين أفقي من نمط Peer-to-Peer، يهدف إلى تعميم الفهم القانوني المشترك للإشكالات التطبيقية، وتعزيز الانسجام القضائي، دون المساس باستقلال القاضي أو الحدّ من سلطته التقديرية في الاجتهاد.

     و تجدر الإشارة إلى أن التجربة الإسبانية لا تنفرد وحدها بهذا التوجه , إذ يمكن رصد آليات موازية لتدبير الاختلاف الاجتهادي داخل أنظمة قضائية أخرى تنتمي إلى العائلة اللاتينية–الأوروبية، وإن بصيغ وأدوات مختلفة. ففي فرنسا، ورغم الطابع المركزي لمحكمة النقض، يُلاحظ تطور دور ما يُسمّى بـ التداول الداخلي للاجتهاد داخل محاكم الموضوع، عبر نشرات تفسيرية ومذكرات توجيهية تصدر عن محكمة النقض أو عن هيئاتها المتخصصة، لا ترقى إلى مرتبة الإلزام، لكنها تؤدي وظيفة إرشادية عملية، تُسهم في توحيد الفهم القانوني وتقليص التباين الصارخ في التطبيق. ويقوم هذا النموذج على منطق “التأثير الإقناعي” للاجتهاد، لا على فرضه قسرًا، بما يحافظ على استقلال القاضي مع توجيه الممارسة القضائية نحو قدر أكبر من الانسجام.

مقال قد يهمك :   TIKNIL/Belha:  La participation des citoyens dans la prise de la décision publique locale

    أما في إيطاليا، فيُعوَّل بشكل أكبر على ثقل مفهوم الاجتهاد القضائي المستقر (Giurisprudenza costante)، الذي يشكّل، بحكم تراكمه واستقراره، مرجعية شبه تنظيمية للمحاكم، دون أن يتحول إلى قاعدة ملزمة صريحة. فالقاضي الإيطالي لا يُمنع من الخروج عن هذا الاجتهاد، لكنه يكون مطالبًا بتعليل خاص ومقنع يبرّر هذا الخروج، وهو ما يخلق نوعًا من الضبط الذاتي للاجتهاد داخل محاكم الموضوع، ويحدّ من التناقض غير المبرر. غير أن خصوصية النموذج الإسباني تكمن في ذهابه خطوة أبعد، عبر مأسسة التنسيق الأفقي والتكوين العملي بين القضاة، دون تحويل ذلك إلى وصاية هرمية أو مساس بحرية الاجتهاد، وهو ما يجعل هذه التجربة قابلة للاستلهام الوظيفي في السياق المغربي، لا من حيث الشكل، بل من حيث الغاية والمنهج.

     إن هذا التحليل لا يستند فقط إلى قراءة نظرية أو مقارنة مجردة، بل يستحضر أيضًا ما أتاحته معايشة مباشرة للتجربة القضائية الإسبانية  , وهي تجربة أظهرت، عمليًا، كيف يُدار الاختلاف الاجتهادي داخل القضاء الإسباني دون أن يُدفع مباشرة نحو مسار الطعن، وكيف تُستثمر الشبكات المهنية في احتواء الإشكالات التطبيقية قبل تفاقمها. وتُبرز هذه المعايشة أن REJUE  ليست مجرد بنية تنظيمية، بل ثقافة قضائية قائمة على الحوار المهني والثقة في الذكاء الجماعي للقضاة.

ثالثا: إمكانات الاستلهام المغربي

    إن النقاش حول توحيد الاجتهاد القضائي في المغرب لا ينبغي أن يُختزل في البحث عن نموذج خارجي يُحتذى، بل يقتضي أولًا إعادة طرح سؤال الهندسة القضائية ذاتها: كيف تُوزَّع أدوار إنتاج الاستقرار الاجتهادي داخل المنظومة؟ وهل من المنطقي تحميل محكمة النقض وحدها عبء تصحيح كل الاختلافات المتراكمة داخل محاكم الموضوع؟

   إن الاقتصار على التوحيد البَعدي يجعل من محكمة النقض فضاءً لتجميع اختلالات سابقة، بدل أن تكون أداة ترسيخ وتوجيه. ومن ثمّ، فإن التفكير في آليات موازية، وقائية وغير ملزمة، يندرج في صميم عقلنة سير العدالة، لا في استنساخ تجارب أجنبية. فالمطلوب ليس نقل شبكات أو هياكل، بل إدماج منطق التنسيق الأفقي والتكوين العملي داخل الثقافة القضائية نفسها، بما يسمح بتدبير الاختلاف الاجتهادي في مهده، قبل أن يتحول إلى طعن شبه آلي. وفي هذا الإطار، لا يصبح توحيد الاجتهاد وظيفة حصرية لقمة الهرم القضائي، بل نتيجة لتفاعل أفقي بين فاعلين قضائيين يتقاسمون نفس الإشكالات التطبيقية، في إطار من الحوار المهني غير الإلزامي، الذي يحترم استقلال القاضي ويحدّ في الآن ذاته من العزلة الاجتهادية.

مقال قد يهمك :   الحماية الجنائية لصورة رجل الأمن في العصر الرقمي على ضوء القانون 103-13

خاتمـة

      يُظهر التحليل المقارن أن توحيد الاجتهاد القضائي لا يُبنى فقط في قمة الهرم القضائي، بل يبدأ من قاعدته. فكما تُبيّن التجربة الإسبانية، يمكن للأفقية والتكوين العملي أن يُساهما في بناء الاستقرار دون المساس باستقلال القاضي. وفي المغرب، يشكل التفكير في آلية مماثلة بخصوصيات وطنية، إلى جانب حماية الاجتهاد المستقر، مدخلًا عقلانيًا لمعالجة إغراق محكمة النقض، وتعزيز الأمن القضائي، واستعادة الثقة في العدالة، وهو نقاش لم يعد ترفًا مؤسساتيًا، بل ضرورة يفرضها ضغط الواقع القضائي، وتفرضها كذلك مسؤولية الجميع في التفكير في عدالة قابلة للتطور.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]