مجلة مغرب القانونالقانون العامفي التعريف بنظام مجتمعات الحكم الذاتي بإسبانيا

في التعريف بنظام مجتمعات الحكم الذاتي بإسبانيا

الشريف الطريبق ياسر باحث في العلوم القانونية

يستند تجسيد مفهوم الدولة في وقتنا المعاصر على اعتماد نظام إداري عام يحدد كيفية تسيير السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية داخل فضائها الجغرافي وخارجه لأجل تحقيق المصلحة العامة للمجتمع أو المجتمعات التي تمثلها، وفي هذا الإطار يعتبر الدستور (أسمى قانون وطني) هو المحدد الأساس لنظام الحكم في الدولة الذي يعبّر عن اختياراتها الاستراتيجية وطريقة تشكيل مؤسساتها الإدارية والمنتخبة الوطنية منها والترابية. وبطبيعة الحال فإن تلك الاختيارات تنبع وتتأصل من سياقات الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تصاحب أو تحيط بمسير نشأة الدولة وتطورها.

في هذا المنحى، كانت هناك بعض الدول في العالم _جلّها معروفة بنهجها الديمقراطي في الحكم_ التي تبنت خيار اللامركزية الترابية في تشكيل بنيتها السياسية والإدارية باعتبارها وسيلة لتحديث الدولة على أساس توزيع السلطات والصلاحيات والموارد بين الدولة المركزية والجهات أو المناطق التي تشكلّها دون المساس بسيادة الدولة المركزية وتملّكها لأهم مفاتيح القرارات الاستراتيجية الكبرى للبلاد كالأمن والدفاع والخارجية والوحدة الوطنية والإنعاش الاقتصادي …  والجدير بالذكر أن اللامركزية الترابية تجمع بين اللاتمركز الإداري والجهوية السياسية لذلك فإن المدخل الدستوري يعتبر هو الوسيلة الأساسية والمبدئية لتطبيقه.

من بين تلك الدول التي اختارت اعتماد اللامركزية الترابية في بنيتها السياسية والإدارية، هناك دول تبنّت نظام الحكم الفدرالي باعتباره أعلى مستوى من مستوياتها، لكونه يعطي صلاحيات وسلطات اقتصادية وسياسية وحتى قضائية واسعة لأنظمة المناطق أو الفدراليات التي تشكل الفضاء الجغرافي للدولة، نذكر من ضمنها مثلا سويسرا وألمانيا والولايات المتحدة وكندا…،

بينما هناك دول أخرى تبنّت نظام الحكم المبني على مفهوم الجهوية الموسعة الذي يعطي بعض الصلاحيات والسلطات لأنظمة الجهات أو المناطق التي تشكل الفضاء الجغرافي للدولة، لكنه يمنح سلطات وصلاحيات أوسع للدولة المركزية مقارنة مع أنظمة الحكم الفدرالي، نذكر من بين هذا الصنف الثاني من الدول مثلا جمهورية إيطاليا التي تتشكل من 20 جهة والمعروفة بدولة الجهات ومملكة إسبانيا التي تتشكّل من 17 جهة والموسومة بدولة مجتمعات الحكم الذاتي (El Estado de las autonomias).    

في هذه الورقة، سوف نركّز على محاولة فهم وقراءة نظام مجتمعات الحكم الذاتي المعمول بها في إسبانيا انطلاقا من السياق التاريخي لنشأته وتطوره قبل التعريج على الإطار القانوني الدستوري في المحور الثاني حيث سنقدّم أهم المواد والفصول الدستورية التي تؤطر عملية تطبيق الحكم الذاتي في إسبانيا، ولا سيما ما يتعلق بتوزيع السلطات والصلاحيات والموارد بين الدولة المركزية والجهات المستقلة “نسبيا” أو مناطق الحكم الذاتي لنختتم في الأخير قراءتنا بمحاولة فهم المقاصد والمغازي التي كانت وراء صياغة البنود الأساسية المؤطّرة لنظام مجتمعات الحكم الذاتي في اسبانيا في محور أخير.

1- السياق التاريخي لنظام مجتمعات الحكم الذاتي في إسبانيا: النشأة والتطور

يمكن تعريف الحكم الذاتي في القانون العام باعتباره نظاما قانونيا وسياسيا يرتكز على اللامركزية الترابية بناء على قواعد القانون الدستوري كما يمكن اعتباره انطلاقا من أدبيات التشريع الأممي (جمعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن) إحدى آليات تقرير المصير بالنسبة للشعوب، فهو يعطي للجهات أو الأقاليم التي تتميز بالخصوصية القومية أو العرقية أو الثقافية داخل الدولة استقلالا ذاتيا في إدارة شؤونها من خلال هيئات الحكم الذاتي في إطار الوحدة القانونية والسيادية للدولة المركزية. وتعتبر الدولة الإسبانية المعاصرة واحدة من الدول العالمية المعروفة بتطبيقها لهذا النظام إذ أنها تتشكل حاليا من 17 جهة أو منطقة للحكم الذاتي، وهو ما تم ترسيمه فعليا في إسبانيا منذ المصادقة على الدستور الاسباني في البرلمان الإسباني في السادس من دجنبر 1978 واعتماده بناء على استفتاء شعبي في 29 دجنبر من نفس السنة، ومن المعروف أن الدولة الإسبانية كانت تعيش مخاضا سياسيا عسيرا في تلك الفترة التاريخية الملتهبة من تاريخها، إذ أنها، ومنذ وفاة الجنرال القوي فرانكو (El Genralisimo Franco) في أواخر سنة 1975، دخلت في مرحلة جديدة من الحياة السياسية تختلف جذريا عن المرحلة السابقة التي كانت تتميّز بفترة طويلة من الحكم الفردي في ظل دكتاتورية فرانكو ومن قبله بريمو دلا فيرا، ألا وهي مرحلة الانتقال الديمقراطي أو التحوّل من الديكتاتورية والحكم العسكري إلى الديمقراطية في ظل نظام ملكي ديمقراطي برلماني لا رجعة فيه، وبطبيعة الحال، فإن هذا التحوّل ولو أنه لم يتأخر كثيرا (فترة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا استمرت لمدة لم تتجاوز خمس أو ست سنوات على الأكثر) لم يكن هيّنا على الإطلاق خصوصا وأن القيادات العسكرية والمنظومة الاقتصادية الأوليغارشية آنذاك كانت لها مصالح متشعّبة في نظام الحكم وقد نتج عن ذلك الاتجاه الانتقالي للدولة ضرب لمصالحها مما ترتب عنه وقوع أحداث خطيرة في البلاد ما بين سنتي 1976 و1982، نذكر من ضمنها مثلا: مذبحة أتوشا التي وقعت في مدريد سنة 1977 حيث قامت بعض القوات المتطرفة اليمينية باغتيال أعضاء من نقابة اللجان العمالية (Comisiones obreras) القريبة من الحزب الشيوعي الاسباني، ثم، محاولة انقلاب بعض عناصر الجيش الإسباني إثر هجوم مسلح بالرشاشات على البرلمان الاسباني (El Cortes) سنة 1981 في مشهد دراماتيكي نقلته قنوات التلفزة الاسبانية المحلية آنذاك، ناهيك عن استفحال ظاهرة الإرهاب تحت قيادة منظمة “إيطا” في تلك الفترة وما بعدها، بيد أن تلك الأحداث في الحقيقة كان لها أثر معاكس بالنسبة للرأي العام الاسباني الذي عجّل بإضفاء الشرعية للاختيار الديمقراطي، ذلك الاختيار الذي تعزّز وتعضّد بما يشبه التحالف السياسي الذي وقع بين الملك الشاب خوان كارلوس _بعد وفاة فرانكو_ والنخبة السياسية الديمقراطية في البلاد، وفي ذات السياق تم سنة 1977 إجراء أول انتخابات تشريعية ديمقراطية في إسبانيا منذ فترة الحرب الأهلية الإسبانية حيث احتل حزب اتحاد الوسط الديمقراطي المرتبة الأولى دون بلوغه الأغلبية، وتم تكليفه بتشكيل الحكومة برئاسة أدولفو سواريس، وفي نفس السنة تم تشكيل لجنة صياغة أول دستور ديمقراطي إسباني ليتم في ما بعد المصادقة عليه ودخوله حيز التنفيذ بداية من 29 دجنبر 1978 كما ذكرنا سلفا وهو نفس الدستور الذي وضع اللبنات الأساسية لمفهوم نظام مجتمعات الحكم الذاتي في إسبانيا وطريقة تنفيذه خصوصا في ما يتعلق بتوزيع الصلاحيات والاختصاصات والسلط والموارد بين الإدارة المركزية للدولة والجهات أو المناطق الترابية التي تشكل فضاءها الجغرافي، بيد أن تنفيذ ذلك المخطط على أرض الواقع لم يكن لحظيا أو دفعة واحدة وإنما وقع بشكل تدريجي وغير متماثل بين الجهات المختلفة للمملكة الإسبانية، إذ أن بعض الجهات مثل كاتالونيا (ِCatalunya) وإقليم الباسك (Pais vasco) وغاليسيا (Galicia) والأندلس (Andalusia) كان لها وضع خاص حيث تم اعتبارها جهات ذات مكانة تاريخية خاصة (Vias historicas) لكونها تتوفر على خصائص تاريخية وثقافية مشتركة، لذلك كانت تلك المناطق بالتحديد هي الأسرع في التمتع بصلاحيات الحكم الذاتي بناء على خصوصياتها التاريخية واللغوية كما تنص عليه المادة 143 من الدستور الإسباني، وبذلك أمكن لمنطقتي كتالونيا والباسك اعتماد نظاميهما الخاصين في إطار الحكم الذاتي سنة 1979 لتلتحق بهما منطقتي غاليسيا والأندلس سنة 1981 وأما باقي الجهات والمناطق التي اختارت اعتماد نظام الحكم الذاتي بشكل عادي وتلقائي (Via Lenta) مثل قشتالة لامانشا (Castilla la mancha) وليون (Castilla leon) وأستورياس (Asturias) وأراغون (Aragon) وغيرها فقد بدأت تنفيذ تلك العملية بشكل متأخر لتكتمل الخريطة الإدارية لإسبانيا بحلول مايو 1983 حيث تم تقسيم البلاد بالكامل إلى 17 مجتمعًا ذاتيًا وكل منها اعتمد نظامه الخاص عبر “النظام الأساسي للحكم الذاتي” (El Estatuto de Autonomía).

مقال قد يهمك :   رهانات الاصلاح الجبائي بالمغرب

2- الإطار القانوني الدستوري لنظام مجتمعات الحكم الذاتي بإسبانيا والعلاقة مع الدولة المركزية

عندما نتفحّص المتن الدستوري الإسباني الذي عرف 3 تعديلات شكلية بسيطة عبر تاريخيه منذ اعتماده سنة 1978 إلى اليوم سنجد أن المشرع الإسباني قد أعطى لمفهوم الحكم الذاتي حيّزا كبيرا وواسعا يشمل 22 مادة دستورية من مجمل 169 مادة يتشكل منها الدستور الإسباني، أغلبها جاء واردا في فصل خاص هو الفصل الثالث من الباب الثامن للدستور المعنون ب “في مجتمعات الحكم الذاتي De las communidades autonomas” و الذي يضمّ 14 مادة دستورية بداية من المادة 143 إلى المادة 158، وفي نفس الباب يضمّ الدستور فصلا خاصا تحت عنوان ” في الحكم المحلي De la administracion local ” الذي يضمّ 3 مواد دستورية تنظّم كيفية انتخاب البلديات (municipios) والمحافظات (provincias) التي تتأسس مجتمعات الحكم الذاتي بناء على تجمعاتها الاتحادية، في حين هناك مواد أخرى متفرقة داخل الدستور يمكن اعتبارها بمثابة مواد مركزية مؤسِّسة لمفهوم الحكم الذاتي كما يحدّده المشرع الاسباني، نذكر منها خصوصا:

المادة 2 التي تنصّ على ما يلي: “يقوم الدستور على وحدة الأمة الإسبانية التي لا تنفصل، وطن كل الإسبان الذي لا يقبل التجزئة؛ ويضمن ويعترف بحق الحكم الذاتي للقوميات والمناطق التي يتكون منها ويضمن ويعترف بالتضامن فيما بينها”. فهذه المادة جاءت لتؤكد بوضوح على وحدة الأمة الاسبانية وعدم قابليتها للانفصال أو التجزئة ولو أنها تعترف بحق القوميات والمناطق التي تتشكل منها الدولة الإسبانية في الحكم الذاتي وكذلك في التضامن فيما بينها.

والمادة 3 من الدستور التي تنص على ما يلي: ” اللغة الاسبانية الرسمية للدولة هي القشتالية وعلى كل الإسبان معرفتها ولهم الحق في استعمالها. تعتبر اللغات الإسبانية الأخرى لغات رسمية داخل مجتمعات الحكم الذاتي وفقاً لأنظمتها. يعتبر ثراء مختلف الأنماط اللغوية بإسبانيا تراثاً ثقافياً يحظى باحترام وحماية خاصين”. فهي تعتبر من المواد الدستورية المؤسسة لمفهوم الحكم الذاتي في بعده الثقافي واللغوي حيث تنصّ على أن اللغة الرسمية للدولة الإسبانية هي اللغة القشتالية (El castellano) بينما تعتبر اللغات الأخرى كالكاتالانية والباسكية وغيرهما لغات رسمية داخل مجتمعات الحكم الذاتي التي تتكلم بها وفقا لأنظمتها الداخلية مع التأكيد على احترام الغنى أو الثراء النابع من الاختلاف اللغوي والثقافي في إسبانيا وحمايته.

وكذلك المادة 139 من الدستور التي جاءت للتأكيد على عدم التمييز بين سكان مختلف الجهات والمناطق الإسبانية في الحقوق والواجبات الوطنية وهذا نصّها: “يتمتع جميع الإسبان بنفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات في جميع مناطق إسبانيا. لا يمكن لأي سلطة كانت أن تتبنى إجراءات تعرقل بشكل مباشر أو غير مباشر تنقل الأفراد واستقرارهم وكذا نقل الممتلكات داخل الأراضي الإسبانية برمتها”

أما بخصوص باقي المواد الدستورية التي تتناول موضوع الحكم الذاتي ولاسيما تلك المشكّلة للباب الثامن من الدستور (من المادة 140 إلى المادة 158) فقد كانت بمثابة مواد تفصيلية وتنظيمية لطريقة تدبير الحكم الذاتي في إسبانيا سواء في ما يتعلق بتشكيل الهياكل الإدارية الترابية (البلديات والمحافظات والهيئات التمثيلية لمجتمعات الحكم الذاتي) أو ما يتعلق بتوزيع الموارد المالية وكذلك الاختصاصات والسلط بين أنظمة الحكم الذاتي “المستقلة” والدولة المركزية دون أن ننسى دورها الرقابي (أقصد الدولة المركزية) في الحفاظ على وحدة الأمة الإسبانية وحمايتها من النزعات الانفصالية أو العنصرية العرقية المحتملة. لذلك فقد ارتأيت أن أفصلها لكم في ستة محاور على الشكل التالي:

  •  في الهيكلة الإدارية للبلديات والأقاليم

ينطلق مفهوم اللامركزية الترابية في إسبانيا من القاعدة السكانية للمجتمع عن طريق البلديات (los municipios) التي تعتبر هي الوحدة الترابية الأساسية في البنية الإدارية للدولة الإسبانية، إذ أن البلديات المنتخبة عبر اقتراع عام سري طبقا لنص المادة 140 تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلالية في تدبير مصالحها الخاصة.. وأما المحافظات (Provincias) فإنها تعتبر بتعريف النص الدستوري الإسباني (المادة 141) بمثابة هيئات محلية ذات شخصية اعتبارية تتأسس مجالسها بناء على تجمعات البلديات داخل التقسيم الترابي لمهام الدولة.. فهي مثلها مثل البلديات يجب أن تتوفر على الموارد المالية الكافية لمزاولة المهام التي يسندها القانون للمؤسسات المحلية والتي تتكون عوائدها بالأساس من ضرائبها الخاصة ومن حصتها من ضرائب الدولة وضرائب مجتمعات الحكم الذاتي (المادة 142).

  • في طريقة تشكيل أنظمة مجتمعات الحكم الذاتي
مقال قد يهمك :   عبد اللطيف لمزرع: الضمانات القانونية لحماية حق النفقة بين الوفرة والمحدودية

تتشكل أنظمة الحكم الذاتي في إسبانيا وفق شروط خاصة ومسار تشريعي خاص انطلاقا من المرجعية الدستورية المتمثلة خصوصا في المادة 2 وكذا المواد المشكلة للفصل الثالث من الباب الثامن الدستور كما أشرنا سلفا.

في هذا الصدد، يحقّ للمحافظات المتجاورة التي تتمتع بخصوصيات تاريخية وثقافية واقتصادية مشتركة وكذلك الجزر والمناطق التي تجمعها خصوصية تاريخية أن تتمتع بنظام الحكم الذاتي _بعد مصادقة البرلمان الإسباني عليه_ إذا ما قررّت ذلك جميع مجالس المحافظات المعنية أو الهيئة المنسقة بين الجزر أو ثلثي البلديات التي يمثل السكان التابعون لها على الأقل أغلبية الناخبين بكل محافظة أو جزيرة، على أساس تفعيل ذلك القرار في ظرف زمني لا يتجاوز ستة أشهر على الأكثر ابتداء من توصل المؤسسات المحلية المعنية بذلك الاتفاق، وإذا لم تحظ تلك المبادرة بالقبول من طرف البرلمان لا يمكن إعادة تقديمها إلا بعد مرور خمس سنوات (المادة 143). إذ أن البرلمان الإسباني هو المخوّل له السماح بإنشاء مجتمعات الحكم الذاتي من عدمه. مع الإشارة إلى أنه لا يقبل في أي حال من الأحوال إقامة اتحاد لمجتمعات الحكم الذاتي (المادة 145).

  • في كيفية إعداد وترسيم الأنظمة الأساسية لمجتمعات الحكم الذاتي

يتم إعداد مشروعَ النظام الأساسي لمجتمع الحكم الذاتي في إسبانيا _طبقا للمادة 146 من الدستور_ من طرف جمعية تشريعية تتشكل من أعضاء مجلس المحافظات والنواب وأعضاء مجلس الشيوخ المنتخبون بها، ثم، يحال المشروع السالف ذكره إلى البرلمان للنظر فيه من أجل المصادقة عليه بصفته قانوناً معترفا به تعمل الدولة على حمايته كجزء مكون للنظام العام وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 147 والتي توجب تحديد المجال الجغرافي لمجتمع الحكم الذاتي وتسميته الأكثر ملائمة لهويته التاريخية وتنظيم مؤسساتها ومقراتها ناهيك عن الصلاحيات المخولة لها عليه الدستور الإسباني.

  • في توزيع الصلاحيات والاختصاصات بين مجتمعات الحكم الذاتي والدولة المركزية

يمنح الدستور الإسباني لمجتمعات الحكم الذاتي _طبقا لما ورد في المادة 148_ صلاحيات مهمة، لا سيما ما يتعلق بتنظيم مجالها الجغرافي ومدنها ومؤسساتها التمثيلية طبقا لأنظمتها الأساسية الخاصة بعد المصادقة عليها في البرلمان، وكذا ما يرتبط بتدبير مجموعة من القطاعات داخل مجالها الجغرافي كالأشغال العمومية والنقل والسكك الحديدية المحلية والطرق البرية المحلية والموانئ المحلية والمطارات المحلية التي لا تتم فيها أنشطة تجارية والأنشطة الفلاحية والغابوية التي لا تتعارض مع النظام الاقتصادي للدولة والصيد وتربية الأسماك في المياه الداخلية والأنهار المحلية والبناء والأشغال واستغلال الموارد المائية لمصلحة مجتمع الحكم الذاتي، ناهيك عن الصناعة التقليدية وتدبير المؤسسات الثقافية (كالمتاحف والمكتبات والمعاهد الموسيقية) والآثار بما يعود بالنفع لمجتمع الحكم الذاتي، كما يحقّ لأنظمة الحكم الذاتي من جهة أخرى تشجيع الثقافة والبحث العلمي والرياضة وتدريس اللغات المحلية وتدبير الصحة والنظافة وحراسة بناياتها ومنشآتها بالتنسيق مع الشرطة المحلية مع العلم أنه يمكن لمجتمع الحكم الذاتي أن يوسع صلاحياته تدريجيا بعد مرور خمس سنوات في حدود ما ينص عليه الدستور الإسباني.

أما فيما يتعلق بالدولة المركزية، فإنها تنفرد بأهم الصلاحيات والاختصاصات السيادية، نذكر منها مثلا دون الحصر: الأمن العام وضمان المساواة بين جميع الإسبان في الحقوق والواجبات ومنح الجنسية واللجوء وتدبير الهجرة والخارجية والدفاع وتطبيق العدالة والتشريع في المجال الجنائي والتجاري والسجون وقانون الشغل والقانون المدني ماعدا في بعض التشريعات ذات مصادر تاريخية خاصة بمناطق الحكم الذاتي والتي تنبع من مختلف أنماط الزواج وتنظيم السجلات والوثائق العمومية…

وتتحكم الدولة المركزية في اسبانيا كذلك طبقا للمادة 149 من الدستور في النظام الجمركي والتجارة الخارجية والنظام النقدي والبنكي والملكية الثقافية والصناعية والتخطيط العام والإحصاء والمالية العمومية وديون الدولة والتنسيق العام في مجال الصحة وتشريع الضمان الاجتماعي والقانون الإداري ونزع الملكية والصيد البحري في المجال العام للدولة وتنظيم الأسطول التجاري والموانئ العامة والمطارات العامة ومراقبة المجال الجوي ومصلحة الأرصاد الجوية والنظام العام الاتصالات وقواعد نظام الطاقة والمناجم والقواعد الأساسية لنظام الصحافة والإذاعة والتلفزيون وصيانة وحماية التراث الثقافي والأثري والفني الإسباني دون المساس بصلاحيات مجتمعات الحكم الذاتي الخاصة في هذا المجال، ناهيك عن حق الدولة المركزية في استشارة الشعب الإسباني عن طريق الاستفتاءات… أي أن الدولة المركزية في إسبانيا ولئن كانت قد تخلّت عن بعض الصلاحيات والاختصاصات لصالح المناطق الترابية المختلفة التي تتمتع بالحكم الذاتي فإنها ظلت  تحتفظ بأهم الصلاحيات والسلط التي تمنحها السيادة الكاملة على المستوى الأمني والاقتصادي والتشريعي والقضائي دون أن ننسى دورها الأساسي في الحفاظ على وحدة الأمة الإسبانية وتحقيق المساواة بين جميع الإسبان في الحقوق الواجبات.

  • في الموارد المالية الممنوحة لمجتمعات الحكم الذاتي

تتكون العوائد المالية لمجتمع الحكم الذاتي في إسبانيا حسب ما تنص عليه المادة 157 من الدستور الاسباني من أربعة مصادر أساسية للتمويل ألا وهي:

  • حصّتها من الضرائب والاعتمادات التي تتخلى عنها الدولة جزئيا أو كليا لصالحها
  • حصّتها من تحويلات صندوق التضامن الوطني الذي تنشؤه الدولة لتقويم اختلالات التوازن الاقتصادي بين مجتمعات الحكم الذاتي
  • الضرائب والرسوم الخاصة بها التي تفرضها داخل ترابها من خلال أنظمتها الخاصة
  • الأرباح التي تدرها عليها ممتلكاتها وعوائدها المحلية الخاصة
مقال قد يهمك :   توقيع المحامي بالمساطير الكتابية بين أزمة الفراغ التشريعي و تضارب العمل القضائي

وبطبيعة الحال فإن الهيئات التمثيلية لمجتمعات الحكم الذاتي تتمتع بالاستقلال المالي الذي يخوّل لها الاضطلاع بمهامها وفقا للمبادئ الدستورية التي ذكرنا سلفا كما يمكن لها أن تتصرف كمندوبة للدولة أو مساعدة لها لتحصيل موارد الدولة الضريبية وإدارتها غير أنه لا يحق لمجتمعات الحكم الذاتي بأي حال من الأحوال أن تفرض إجراءات ضريبية على ممتلكات تقع خارج نطاقها أو تدابير ضريبية تشكل عائقاً أمام حركة تنقل البضائع والخدمات.

  • في مراقبة الدولة لأجهزة الحكم الذاتي

يتم مراقبة أجهزة مجتمعات الحكم الذاتي من طرف أربع مؤسسات (المادة 153)، هي:

  • المحكمة الدستورية عندما يتعلق الأمر بمراقبة دستورية القوانين التي تصدرها
  • والحكومة بخصوص مراقبتها للمهام المفوضة لها بحكم المادة 150 من الدستور.
  • والقضاء الإداري الذي يراقب إدارتها وقواعدها القانونية.
  • وأخيرا محكمة الحسابات التي تراقب الاقتصاد والضرائب.

ويتولى إدارة الدولة داخل مجتمع الحكم الذاتي مندوب تعيّنه الحكومة يتكلف بالتنسيق بينهما إذا اقتضى الحال ذلك. وإذا لم يمتثل مجتمع حكم ذاتي بالواجبات التي يلزمها به الدستور والقوانين العامة أو إذا قام بتصرف يضرّ بشكل خطير بالمصلحة العامة لإسبانيا، يحق للحكومة بعد توجيه إشعار مسبق لرئيس مجتمع الحكم الذاتي، وبمصادقة الأغلبية المطلقة لمجلس الشيوخ إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار الإشعار المذكور، أن تتخذ الإجراءات الضرورية لإلزام مجتمع الحكم الذاتي بالقيام الإجباري بالواجبات المذكورة أو بحماية المصلحة العامة التي ورد ذكرها. وفي تلك الحالة يحق للحكومة أن تعطي تعليماتها لجميع سلطات مجتمعات الحكم الذاتي.

  • في فهم الأهداف والمغازي من صياغة بعض بنود الدستور الاسباني

عندما نتمعن في قراءة بنود الدستور الإسباني التي تنظم الإطار القانوني المرجعي لنظام مجتمعات الحكم الذاتي وكذلك في ما يستتر خلف سطوره، يتبيّن لنا جليّا أن المشرع الإسباني كان حريصا على التجاوب مع تطورات الوضع السياسي في البلاد التي كانت تتحوّل حينها (في أواسط السبعينيات) من نظام ديكتاتوري عسكري (في عهد فرانكو) إلى نظام دولة اجتماعية وديمقراطية تتخذ شكل ملكية برلمانية. وقد توّج ذلك المسار بتأسيس ميثاق سياسي واجتماعي عام بين الأحزاب الديمقراطية في البلاد حيث تم تشكيل لجنة من سبعة نواب من الأحزاب السياسية الإسبانية التي حققت الأغلبية في الانتخابات التشريعية لسنة 1977 هي التي تكلفت بصياغة الدستور الإسباني قبل أن تتم المصادقة عليه خلال سنة 1978، نذكر من بين أعضائها مثلا السادة: ميغيل هيريرو دي مينيون وغابرييل سيسنيروس وخوسيه بيدرو بيريز يوركا عن حزب الاتحاد الديمقراطي وجريجوريو بيسيس باربا عن حزب العمال الاشتراكي الاسباني (PSOE) وجوردي سوليه تورا عن الحزب الشيوعي، كما كان من الممكن أن يشارك في صياغته ممثلين عن منطقتي كاتالونيا والباسك غير أنه تم استبعادهم بسبب مطالبتهم بقدر أكبر من الحكم الذاتي لأراضيهم، هذا وقد وعُرف أعضاء تلك اللجنة باسم “الآباء المؤسسون” (  (Los padres de la constitucion. وفي هذا الإطار كانت اللجنة حريصة على تجسيد مجموعة من المبادئ الأساسية داخل المتن الدستوري، ولا سيما ما يتعلق ب:

  • تحديث مؤسسات الدولة بما يتماشى مع الاختيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه على أساس بناء دولة اجتماعية وديمقراطية تتخذ شكل ملكية برلمانية ومنح بعض الصلاحيات وتدبير بعض الموارد لمجتمعات الحكم الذاتي دون التفريط في سيادة الدولة المركزية على أهم الاختصاصات والسلطات الاستراتيجية من قبيل الأمن والدفاع والخارجية والتنمية الاقتصادية…
  • توسيع هامش المشاركة السياسية للمواطنين الإسبان من خلال اعتماد نظام الحكم الذاتي لمختلف المجتمعات العرقية والجهوية الإسبانية وهو ما تم اعتباره نوعا من تخفيف الضغط والمسؤولية السياسيين على السلطة المركزية والمؤسسة الملكية الإسبانية بحيث أصبح المواطن الإسباني من مختلف المناطق الجغرافية الإسبانية يساهم بشكل مباشر في اتخاذ القرار العمومي عن طريق البرلمانات والحكومات المحلية
  • الحفاظ على وحدة الأمة الإسبانية وحماية البلاد من أي مبادرة أو نزوح إلى التجزئة أو الانقسام كما تنص على ذلك المادة 2 من الدستور ناهيك عن حضر كل أشكال التمييز بين المواطنين الإسبان في الحقوق والواجبات (المادة 139) وهو ما تجسّد بالفعل خلال سنة ي سنة 2017 حين دعت الحكومة الكتالانية من جانب واحد الى إجراء استفتاء شعبي لتقرير مصير منطقة كتالونيا، غير أنه ووجه بالرفض من طرف الحكومة الإسبانية استنادا على أحكام الفصل 155 من الدستور حيث قامت الحكومة الإسبانية آنذاك بإقالة جميع أعضاء الحكومة الكتالونية، وحل البرلمان الكتالاني والدعوة لانتخابات جهوية سابقة لأوانها مع تولي الحكومة الاسبانية للصلاحيات التنفيذية للإدارات الكتالونية إلى حين تشكيل حكومة كتالونية جديدة.
  • تحقيق التنمية الاقتصادية والتضامن الاجتماعي بين المركز والجهات وكذا بين مختلف المناطق الترابية للبلاد من خلال التوازن في توزيع الموارد المالية والصلاحيات بين السلطة المركزية ومجتمعات الحكم الذاتي.

المراجع والمصادر:

  • الدستور الاسباني الصادر في الجريدة الرسمية الاسبانية رقم 311 في 29 دجنبر 1978
  • مقال للكاتب فرناندو بالميرو بجريدة “إل موندو” تحت عنوان”سبعة آباء للدستور كان ممكن أن يكونوا تسعة” صادر في 6 دجنبر 2018
  • مقال للكاتب محمد شحراد بموقع هيسبريس تحت عنوان الحكم الذاتي في إسبانيا صدر في 8 دجنبر 2025
  • كتاب المصالحة  بالنسخة الفرنسية (La reconciliation)  وهو عبارة عن مذكرات لصاحبه خوان كارلوس الملك السابق لإسبانيا الصادر في نونبر 2025
  • حلقات عن الانتقال الديمقراطي في اسبانيا بقناة التاريخ بموقع “AMC Network” بالاسبانية بموقع يوتوب
error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]