مجلة مغرب القانونالقانون الخاصزهير الداودي: الدفوع الموضوعية ومجاوراتها الإجرائية -نحو وعي فلسفي بالتصنيف التشريعي-

زهير الداودي: الدفوع الموضوعية ومجاوراتها الإجرائية -نحو وعي فلسفي بالتصنيف التشريعي-

زهير الداودي باحث في قانون العقود والأنظمة العقارية، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة محمد الأول، وجدة


مقدمة:

إن الحديث عن الدفوع القانونية_بالمعنى العام لها_، في ظاهر الأمر، يبدو شأنا تقنيا محضا غير أن الغوص في عمقه يكشف عن بنية جدلية تتجاوز التصنيف الجامد إلى مساءلة فلسفية تتعلق بطبيعة الخصومة نفسها. فالخصومة المدنية ليست مسرحا يلقي فيه المدعي دعواه في فراغ، بل فضاءا ديالكتيكيا تتحرك فيه قوتان متقابلتان: قوة الادعاء التي تسعى إلى بسط سلطانها على الواقع القانوني وقوة الدفاع التي تعيد مساءلة هذا السلطان وتختبر مشروعيته وحدوده.

ومن هنا يكتسب المدعى عليه موقعا متميزا، إذ لا يظل سلبيا أمام زخم الادعاء، بل يشارك بفعالية في توجيه الخصومة عبر ما يثيره من دفوع. فحينما يطرح دفوعا موضوعية، فإنه لا يكتفي بتعطيل سير الدعوى أو التشكيك في شكلها، بل يخترق جوهرها، ويضع القاضي مباشرة أمام الحقيقة المادية أو القانونية المتنازع بشأنها. وعلى النقيض، فإن الدفوع الشكلية تنصرف إلى انتظام الخصومة كإطار، والدفع بعدم القبول يواجه الحق في الادعاء نفسه، بينما الطلبات العارضة تنفلت من كونها دفعا لتغدو ادعاء مقابلا يسعى إلى نتيجة مستقلة، فلا يمكن الخلط بينها وبين الدفوع الموضوعية.

هكذا، يكشف التمييز بين هذه الآليات عن ديالكتيك أعمق: صراع الشكل والجوهر، الإطار والمضمون، الحق في الادعاء والحق في الدفاع. وهو تمييز ليس هدفه تصنيفا أكاديميا، وإنما تجسيد لوعي فلسفي بالتصنيف القضائي، يوازن بين مطلب الفعالية الإجرائية ومقتضيات الشرعية، ويجعل من الخصومة فضاءا للحوار المتكافئ لا مجرد إجراء صوري يفضي إلى حكم جاهز.

أهمية التمييز:

إن التمييز بين الدفوع القانونية والطلبات في الدعوى المدنية ليس تمرينا شكليا أو تصنيفا أكاديميا محضا، بل هو ضرورة منهجية تمس جوهر العدالة الإجرائية. فالتفرقة الدقيقة بين الدفوع الموضوعية والدفوع الشكلية والدفع بعدم القبول، فضلا عن الطلبات العارضة، تمكن القاضي من إدراك طبيعة الأثر الذي يحدثه كل منها في مسار الخصومة: أهو أثر يعصف بجوهر الحق المدعى به، أم يقتصر على سلامة الإجراءات، أم يستهدف وجود الحق في الادعاء ذاته، أم يعيد رسم خريطة النزاع عبر إدخال مطالب جديدة. وبذلك، فإن وضوح هذه الحدود يحمي الخصوم من الخلط الذي قد يفضي إلى إهدار حق من حقوق الدفاع، ويرسخ في الوقت نفسه فلسفة التوازن بين الفعالية والشرعية داخل النظام القضائي.

الإشكالية:

غير أن هذا التمييز، على أهميته، يثير سؤالا عميقا: هل نحن أمام تصنيفات إجرائية صورية تنحصر في الجانب التقني، أم أمام أدوات دفاعية متباينة تعكس موقع المدعى عليه كفاعل في توجيه الخصومة وإعادة تشكيل حقيقتها؟

 وبصياغة أخرى: إلى أي حد يمكن للوعي الفلسفي بالتصنيف التشريعي أن يكشف عن المعنى الحقيقي للدفوع، ويعيد ربطها بالعدالة كغاية لا كإجراء؟

وعليه نرى تمييز بين الدفوع الموضوعية ومجاوراتها الإجرائية، من خلال تمييزها عن الدفوع الشكلية (المحور الأول )، وتمييزها عن الدفع بعدم القبول والطلبات (المحور الثاني ).

المحور الأول: تمييز الدفوع الموضوعية عن الدفوع الشكلية

يمثل التمييز بين الدفوع الموضوعية والشكلية حجر الزاوية لفهم ديناميات الخصومة المدنية وضمان سير العدالة وفق أطر القانون المسطري. فبينما تهدف الدفوع الشكلية إلى ضبط مشروعية الدعوى من خلال التحقق من الشكليات والاختصاص، تعنى الدفوع الموضوعية بالفصل في جوهر الحق المطالب به. إن فهم هذا التمييز ليس مسألة نظرية فحسب، بل أداة عملية أساسية للباحثين والقضاة والممارسين لضمان حماية الحقوق، وضبط توقيت وطرق التمسك بالدفوع، وإعمال فلسفة القانون الإجرائي على أرض الواقع.

ويكمن تتميز الدفوع الشكلية عن الدفوع الموضوعية بما يلي:

أولا: من حيث فصل المحكمة

 إن المنطق الإجرائي يقتضي أن تبت المحكمة ابتداء في الدفوع الشكلية، لما قد يترتب على قبولها من أثر يغنيها عن النفاذ إلى جوهر النزاع. غير أن المشرع، في سعيه إلى تحقيق مرونة المسطرة وتفادي تطويل الخصومة، أجاز للقضاء أن يضم الدفع الشكلي إلى الموضوع، وأن يصدر فيهما معا حكما واحدا، شريطة أن يفصح في منطوقه عما قضى به في كل منهما على استقلال، ضمانا لصفاء المسار الإجرائي ووضوح الآثار المترتبة عنه[1]. ولئن ارتأت المحكمة ضم الدفع الشكلي إلى الموضوع، فإنها لا تفقد مع ذلك سلطتها في أن تفصل استقلالا في الدفع الشكلي بقبوله، متى تبين لها رجحانه. وحينئذ يغدو هذا القضاء كافيا لاستنفاد غاية الخصومة، بما يغنيها عن التوغل في مناقشة موضوع الدعوى، إذ أن قبول الدفع الشكلي يقطع المسار الإجرائي من منبعه، قبل أن يمتد إلى فحص الحقوق الموضوعية.

وحين تتعدد الدفوع الشكلية، فإن المنطق الإجرائي يملي على المحكمة أن تبت ابتداء في الدفع بعدم الاختصاص، أيا كان مظهره أو درجته، باعتباره مدخلا لازما لمشروعية نظر الدعوى. فإذا انتهت المحكمة إلى تقرير اختصاصها، أمكنها بعدئذ الانتقال إلى بحث باقي الدفوع الشكلية. أما إذا قضت بعدم اختصاصها، فإنها تستنفد ولايتها عند هذا الحد، إذ لا سلطة لها في التصدي لما سواه من الدفوع، لأن شرط ممارسة سلطة القضاء في باقي الإجراءات إنما يفترض ثبوت الولاية ابتداء.[2]

وتطبق ذات القاعدة إذا حصل التمسك بعدم الاختصاص وباعتبار الخصومة كأن لم تكن لاى سبب من الاسباب.

فإذا أثير أمام محكمة الطعن دفع بعدم القبول شكلا أو بعدم اختصاصها أو بعدم اختصاص محكمة الدرجة الأولى، تعين عليها أن تبت أولا في قبول الطعن شكلا، إذ لا تنعقد الخصومة أمامها إلا بذلك، فولايتها في النظر مشروطة ابتداء بقبوله شكلا.

وكذلك إذا أثير الدفع بعدم قبول الطلبات العارضة أو التدخل لانتفاء ارتباطها بالدعوى الأصلية، أو لورودها بعد إقفال باب المرافعة، مقترنا بدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظرها، وجب على المحكمة أن تبت أولا في الدفع بعدم القبول، قبل الانتقال إلى بحث عدم الاختصاص.[3]

ثانيا: من حيث زمن إثارتهما

 إن جوهر النظام الإجرائي يقوم على ترتيب الأولويات في الدفع، بحيث يتعين على الأطراف أن يثيروا دفوعهم الشكلية قبل الانخراط في مناقشة موضوع الدعوى أو التمسك بدفوع عدم القبول، وإلا سقط الحق فيما لم يثر منها.

 وقد كرس المشرع هذا المبدأ صراحة في المادة 49 من قانون المسطرة المدنية، حين ألزم بإثارة الدفع بإحالة الدعوى إلى محكمة أخرى، سواء لتقديمها أمام محكمتين مختلفتين أو لارتباط الدعويين، في آن واحد وقبل كل دفاع في الجوهر، وإلا كان الدفع غير مقبول. كما بسطت الفقرة الثانية من المادة ذاتها هذا الحكم على مختلف حالات البطلان والاختلالات الشكلية والمسطرية، مما يعكس وحدة المنطق الإجرائي في ضبط النظام العام للمسطرة. ويوازي هذا التوجه ما نصت عليه المادة 16 من القانون نفسه، التي رتبت وجوب الدفع بعدم الاختصاص النوعي أو المكاني قبل أي دفع أو دفاع آخر، باعتبار أن ثبوت ولاية المحكمة شرط سابق لكل بحث موضوعي، وأن الشكل الإجرائي يشكل الإطار الذي يمنح الخصومة وجودها المشروع.

 والعلة من هذا الترتيب تكمن في حماية المحكمة من مفاجآت الدفع الشكلي التي قد تؤدي إلى انعدام الخصومة أمامها بعد أن تكون قد أحرزت تقدما كبيرا في بحث الموضوع وأوشكت على البت فيه. كما يهدف هذا المبدأ إلى حفظ حقوق الخصم، فلا يظل مهددا طوال مراحل الدعوى بما قد يثار من دفوع شكلية لم يبدها بعد، فضلا عن أن الانخراط في موضوع النزاع قبل الحسم في الدفوع الشكلية يفترض ضمنيا تنازلا عن تلك الدفوع التي لم يتمسك بها.[4] ويستثنى من هذا الحكم: 

1) الدفوع الشكلية المتعلقة بالنظام العام، كالدفع بعدم الاختصاص الولائي أو النوعي أو القيمي، لا يسقط الحق فيها بمجرد الدخول في موضوع الدعوى، إذ يظل إبداؤها مسموحاً في أي مرحلة كانت عليها الخصومة، نظراً لأهميتها في تثبيت مشروعية ولاية المحكمة.

2) الدفوع الشكلية التي ينشأ سببها بعد بدأ النظر في موضوع الدعوى، كالدفع بسقوط الخصومة أو طلب التأجيل للاطلاع على مستندات أودعها الخصم أو للرد عليها، يجوز للخصم إثارتها متى دعت الضرورة لذلك[5].

أما الدفوع الموضوعية، قابلة للإدلاء بها إلى حين قفل باب المرافعة[6]، بل وحتى بعد ذلك إذا سمح القاضي[7] بذلك كما لو كانت هذه الدفوع تتعلق بإثارة واقعة تعذرت إثارتها قبل قفل باب المرافعة لسبب خارج عن إرادة الأطراف[8]، حيث يمكن للمحكمة إعادة فتح باب المرافعة من جديد بقرار معلل المادة 335 من ق.م. م[9].

ثالثا: من حيث سقوط الحق في التمسك بهما

 يجب أن تبدي الدفوع الشكلية كلها معا [10] قبل التحدث في موضوع الدعوى وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها، ما لم يتعلق الدفع بالنظام العام. وعلة ذلك تجنب إطالة أمد النزاع إذا ما سمح للخصوم بالتمسك بالدفوع الشكلية طيلة مراحل الدعوى.

أما الدفوع الموضوعية فلا يشترط إبداؤها معا، وإنما يجوز للخصم أن يتمسك بدفع موضوعي معين في جلسة، ثم يعود ويتمسك بدفع موضوعي آخر في جلسة أخرى[11].

والجدير بالذكر أن المشرع الفرنسي أقر في الفصل 72من ق م.م ف أنه” يمكن إثارة الدفوع الموضوعية في أي مرحلة من مراحل الدعوى”[12]،هذا الفصل يعني أن الدفوع الموضوعية وهي الوسائل التي يستخدمها المدعى عليه للطعن في حق المدعي نفسه (مثل إنكار الدين، أو الادعاء بأن الالتزام قد انقضى)، يمكن إثارتها في أي وقت خلال مراحل الدعوى، دون التقيد بمرحلة معينة.

مقال قد يهمك :   الوقت من ذهب في التجارة.. وفي المحاكمة العادلة أيضا

 فالدفع الموضوعي يمكن تقديمه في أي مرحلة، حتى في المراحل المتأخرة من القضية، السبب في ذلك أن الهدف من الدفوع الموضوعية هو التأكد من تحقيق العدالة الجوهرية، أي التحقق من صحة أو عدم صحة حق المدعي، وهو أمر لا يخضع لمهل محددة[13].

وعلى ضوء ما تقدم، تجدر الإشارة إلى أن المشرع العراقي في قانون المرافعات القديم سار على نهج مشابه، إذ نص في المادة الخامسة، والفقرة الرابعة، على أن “الدفوع الموضوعية يجوز إبداؤها في أي دور من أدوار المرافعة، ولكن لا يجوز إيراد دفوع جديدة منها أمام محكمة الاستئناف أو التمييز”.

 ولم يكن المشرع العراقي يرى جواز إبداء أي دفع جديد أمام محكمة الاستئناف أو التمييز إلا في ثلاث حالات محددة: دفع سقوط الخصومة، ودفع عدم الاختصاص، أو الدفع بمرور الزمن (التقادم). ويجوز إذن إبداء أي من هذه الدفوع في جميع مراحل الطعن، سواء في مرحلة الاستئناف أو التمييز، بما يضمن للخصوم حق الدفاع المشروع مع احترام استقرار سير الإجراءات وقيود النظام الإجرائي[14].

رابعا: من حيث طبيعة الحكم الصادر بقبول كل منهما

إن قبول الدفع الشكلي لا يعني القضاء على جوهر الحق المدعى به، بل يظل النزاع كحقيقة قائمة في أفق القانون، ينتظر إعادة تقديمه ضمن الإطار الإجرائي الصحيح. فالحكم ببطلان صحيفة الدعوى، أو بعدم اختصاص المحكمة، لا يسدل الستار على النزاع، بل يفرض على الأطراف إعادة رفع الدعوى، إما بإجراءات متقنة تتوافق مع النظام، أو أمام المحكمة المختصة، بما يخلق مسارا متجددا للخصومة، يظل فيها الحق موضوعيا حيا، منتظرا أن يبت فيه وفق منطق الشرعية الإجرائية وضوابط العدالة[15].

أما الحكم بقبول الدفع الموضوعي، فهو يمثل قمة الانتهاء في مسار الخصومة، إذ يفضي إلى الفصل في موضوع الحق نفسه ويختم النزاع عليه. فمثل هذا القضاء يمنع إعادة المطالبة به أمام أي جهة قضائية لاحقا، لسبق الفصل فيه، ويؤكد أن القضاء الموضوعي لا يترك الفراغ القانوني، بل يمنح الخصومة طابعها النهائي ويثبت مشروعية الحق وسلطته أمام القانون، وفق منطق استقرار النزاع وإغلاق الطريق أمام الاجتهادات اللاحقة.[16]

خامسا: من حيث سلطة محكمة الاستئناف على كل منهما

إن الحكم الصادر بقبول الدفع الشكلي يكتسب حجية الأمر المقضي فيما يتعلق بالمسألة الشكلية ذاتها فقط، دون أن تمتد إلى جوهر الحق المطالب به. فإذا أثار المدعى عليه، على سبيل المثال، دفعا بعدم اختصاص المحكمة أو ببطلان المقال الافتتاحي، ورأت المحكمة صحة هذا الدفع فقررت رد الدعوى لعدم اختصاصها أو لبطلان المقال، فإن الحق الموضوعي للمدعي يظل قائما. ويجوز له بالتالي إعادة تقديم الدعوى أمام المحكمة المختصة، مستوفيا للشروط الشكلية والبيانات القانونية المطلوبة، بما يعكس طبيعة النظام الإجرائي الذي يوازن بين حماية الحقوق الشكلية وضمان الفصل في موضوع النزاع، دون أن يسدل الستار على الحق ذاته إلا بحكم موضوعي بات ونهائي.[17]

أما إذا صدر الحكم بقبول الدفع الموضوعي واستؤنف، فإن الاستئناف يرفع أمام المحكمة الاستئنافية كامل موضوع النزاع، لأن الدفع الموضوعي بحكم طبيعته يمثل قضاء في جوهر الدعوى.

وعلى هذا الأساس، يكون للمحكمة الاستئنافية، إذا ما ألغت حكم محكمة الدرجة الأولى، السلطة الكاملة للتصدي للفصل في موضوع الدعوى من جديد، بما يضمن إعادة النظر في الحقوق والالتزامات موضوع النزاع، وفق منطق النظام الإجرائي الذي يربط بين حجية الأحكام النهائية وإمكانية الرقابة القضائية في مراحل الطعن[18].

سادسا: من حيث الوصف الذي يأخذه الحكم الصادر بصددهما

إن الحكم الصادر في الدفع الشكلي يعد حكما فرعيا، أي أنه يأتي بعد حكم يسبق الفصل في موضوع النزاع، ويقتصر أثره على مسألة الشكل دون أن يطال جوهر الحق المطالب به. في المقابل، الحكم الصادر في الدفع الموضوعي يعد حكما موضوعيا، إذ يسبق أو يوازي الفصل في جوهر الدعوى، ويقضي في الأصل محل النزاع، مانحا الخصومة طابعها النهائي وملزما الأطراف بما يتصل بحقوقهم الجوهرية[19]

المحور الثاني: تمييزها عن الدفع بعدم القبول والطلبات العارضة

الموضوع الذي نحن بصدد معالجته يندرج ضمن القواعد الإجرائية التي تحكم سير الدعوى المدنية، حيث تلعب الدفوع والطلبات العارضة دورا جوهريا في توجيه مسار الخصومة فبينما تركز الدفوع الموضوعية على مناقشة أساس الحق المدعى به والطعن في صحته أو قيامه، تهدف الطلبات العارضة إلى توسيع نطاق النزاع أو تعديله، إما بإضافة مطالب جديدة أو تغيير بعض عناصرها وفقا لما تستلزمه مصلحة الخصوم وسير الدعوى.

ويمكن التمييز بين هذين المفهومين من عدة زوايا، حيث ترتبط الدفوع بالدفاع عن المركز القانوني للمدعى عليه، بينما تعكس الطلبات العارضة رغبة أحد الخصوم في تعديل نطاق النزاع، كما أن الدفع الموضوعي يؤدي إلى رفض الدعوى أو الحد من آثارها، في حين قد تؤدي الطلبات العارضة إلى تغيير موضوعها أو أطرافها.

هذا التمييز الدقيق يساعد على فهم دور كل منهما في تحقيق العدالة الإجرائية وضمان التوازن بين حقوق الخصوم، وهو ما سنحاول تفصيله في هذه الفقرة من خلال بيان أوجه الاختلاف بين الدفع بعدم القبول والدفع الموضوعي (أولا)، ثم تطرق إلى أوجه الاختلاف بين الطلبات العارضة والدفع الموضوعي (ثانيا).

أولا: أوجه الاختلاف بين الدفع بعدم القبول والدفع الموضوعي

نرى بيان هذا الإختلاف من خلال إبراز مفهوم كل منة دفعين ومميزاته، على أن نبين الإختلاف من خلال تباين الفقه والقضاء بخصوصهما وخصوصا الدفع بعدم القبول.

1-                     من حيث مفهومه ومميزاته
أ‌-                       من حيث المفهوم:
 فالفع بعدم القبول لا يمكن أن يوضع في خانة الدفوع الشكلية ولا في خانة الدفوع الموضوعية. فهو دفع يقوم على إلغاء الدعوى ككل[20]، حيث أن المحكمة تقضي بعدم قبول طلب المدعي لافتقاره لشروط الدعوى الأصلية، كالصفة،[21] والأهلية، والمصلحة، استنادا إلى الفصل1 و32 من ق م. م[22]. أو الدفع لسبقية الفصل في الموضوع، أو الدفع بالإحالة لعدم الارتباط، أو الدفع بعدم قبول الطلب الجديد أمام محكمة الاستئناف[23].

وقد نص عليها المشرع في ق م.م في الفصل 49 بقوله:” يجب أن يثار في آن واحد وقبل كل دفاع في الجوهر الدفع بإحالة الدعوى على محكمة أخرى لتقديمها أمام محكمتين مختلفتين أو الإرتباط الدعويين والدفع بعدم القبول وإلا كان الدفعان غير مقبولين”

والدفع بعدم القبول لا ينصب على جوهر الحق المنازع فيه، ولا على صحة الإجراءات. وإنما يهدف إلى إنكار حق الخصم في ممارسة الدعوى.

ب‌-                    من حيث الخصائص:
يتميز الدفع بعدم القبول عن باقي الدفوع بأنه خليط في أحكامه بين الدفوع الموضوعية والدفوع الإجرائية، وبصدور هذه الدراسة نعرض لصلة الدفع بعدم القبول بالدفوع الموضوعية من حيث أوجه الاختلاف والشبه، كما يلي:

_ يختلف الدفع بعدم القبول عن الدفع الموضوعي في أن الأول لا يوجه إلى أصل الحق أو موضوع الدعوى، وإنما يوجه إلى الحق في استعمال الدعوى نفسه[24].بالإضافة إلى أنه يجب إثارة الدفع بعدم القبول في جميع أطوار المحاكمة شأنها في ذلك شأن الدفوع الموضوعية. وخلافا للدفوع الشكلية التي لا تقبل إلا إذا أثيرت في الجلسة الأولى وقبل كل دفاع في الجوهر[25]، ولا يحق للخصوم التنازل عن دفوع عدم القبول المتعلقة بالنظام العام.

_كما أنه لا تقبل الدفوع الشكلية إذا كانت لا تضر بمصالح الأطراف، كما لا يقبل الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم إدخال العون القضائي إذا تعلق الأمر بدعوى تستهدف مديونية الدولة بمفهوم الفصل 514 من ق م. م[26].

_ كما أن الدفوع بعدم قبول الدعوى خلافا للدفوع الموضوعية، يمكن إثارتها لأول مرة أمام محكمة النقض، كما يحق للمحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها، وحكمها من هذه الناحية حكم الدفوع الشكلية التي لها مساس بالنظام العام كالدفع بعدم الاختصاص النوعي[27].

_ ويتفق الدفع بعدم القبول مع الدفوع الموضوعية في أنه لا يتناول إجراءات الخصومة، بل يتناول الحق في استخدام الخصومة، كما يتفق مع الدفع الموضوعي في أنه يجوز إبداؤه في أية حالة كانت عليها الدعوى، فلا يسقط الحق في الدفع بعدم القبول إذا تم التعرض للموضوع قبل إبدائه، هذا إذا لم يتبين من ظروف الحال أن المدعى عليه قد تنازل عنه صراحة أو ضمنا، ولو لم يكن متصلا بالنظام العام، وذلك شأنه شأن الدفع الموضوعي[28].

2-                     من حيث موقف الفقه والقضاء
أ‌-                       الطبيعة القانونية

لقد تعددت الآراء الفقهية حول من يعتبر[29] الدفع بعدم القبول دفعا شكليا باعتبار أن الفصل 49 من ق م.م يؤكد على وجوب إثارة هذه الدفوع قبل أي دفاع في الجوهر وإلا تعرضت الدعوى لعدم القبول. ويخلص هذا الرأي إلى أن الحكم في الدفع بعدم القبول ليس عملا قضائيا بالمعنى الدقيق، فلا يرتب حجية الأمر المقضي به؛ أي لا يمنع من إعادة رفع الدعوى ذاتها إلى القضاء؛ وذلك لأن العمل القضائي – وهو ما يعبر عنه باسم القضاء الموضوعي – إنما ينحصر في الحكم الفاصل في موضوع الدعوى، ولا يرتب حجية الأمر المقضي به، ومما دعا هذا الفقه إلى تغليب الطبيعة الإجرائية للدفع بعدم القبول لأن الأحكام الإجرائية التي تفصل في الدفوع الإجرائية أيضا لا ترتب حجية الأمر المقضي به [30].

مقال قد يهمك :   محكمة النقض: البناء في ملك الغير دون اذن لايكسب الباني حق الزينة

من جهة أخرى يعتبر أحد الفقهاء[31] أن الدفع بعدم القبول دفعا موضوعيا مادام الهدف منه الرد على الدعوى نفسها، ويترتب على خسران المدعي دعواه بحيث لا يستطيع العودة إليها، بحيث يرى صاحب هذا الرأي أن الحق يوجد، لكن وجوده لا يكتمل إلا بوجود الدعوى، فليس لصاحب الحق استعمال الدعوى لحماية حقه إلا إذا اعتدي عليه أو أنكر وجود ذلك الحق، وبالتالي فإن هذا الدفع يمكن إبداؤه في أية حالة تكون عليها الدعوى – ولو لأول مرة – أمام محكمة الاستئناف[32].

بل من الفقه[33]من اعتبر الدفع بعدم القبول دفعا مختلطا. لأنه يجمع بين بعدين فهو من جهة يتعلق بالإجراء وشكليات الدعوى، ومن جهة أخرى يلمس موضوع الحق أو مدى جواز نظر الدعوى أمام المحكمة، فلا يمكن تصنيفه بالكامل ضمن الدفوع الشكلية أو الموضوعية، بل يقع عند مفترق الإجرائي والموضوعي، مما يضفي عليه طبيعة هجينة.

وإذا كان المشرع المغربي قد ذهب في اتجاه أن الدفع بعدم القبول من الدفوع الشكلية، وسوى بينها من حيث ضرورة تقديمها في بداية المسطرة وقبل كل دفاع في الجوهر حسب مقتضيات الفصل 49 من ق.م.م.

 فإن القضاء المغربي قد نحى منحا آخر. واعتبر أن الدفع بعدم القبول لعدم رفع الدعوى داخل الأجل القانوني يمكن إثارته في كل وقت ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف، وليس من الدفوع الشكلية التي يجب إثارتها قبل كل دفاع في الجوهر طبقا للفصل 49 من ق م. م[34].

هذا التوجه القضائي يرى أحد الفقهاء[35] أنه قد صادف الصواب ودعى إلى الأخد بنفس الإجتهاد بالنسبة لباقي الدفوع بعدم القبول كالدفع بانعدام المصلحة أو الصفة، أو الدفع بسبق الفصل في الدعوى.

وأكد القضاء محكمة النقض[36]المغربي في العديد من المناسبات أن الحكم بعدم قبول الدعوى لانعدام صفة رافعها يعتبر بتا في دفع موضوعي منهي للخصومة إذ يترتب عنه زوالها أمام المحكمة واعتبارها كأن لم تكن، وبالتالي فهو حكم فاصل في الموضوع ويسوغ الطعن فيه بالنقض كسائر الأحكام الانتهائية طبقا للفصل 253 من ق م. م.

والرأي فيما نعتقد أن الدفع بعدم القبول هو دفع مستقل، وفقا لما نص عليه المشرع المصري في المادة 110 من قانون المرافعات[37] الأمر الذي حسم به نقاش الفقهي الذي كان قائما بين الفقه التقليدي، واعتبر الدفع بعدم القبول نوع من أنواع الدفوع الخاصة مستقلا بذاته[38].

كما أن المشرع المصري عندما عرض للدفع بعدم القبول فرق بين الدفع بعدم القبول الموضوعي والدفع بعدم القبول الشكلي، فجعل الأول عدم توافر الشروط اللازمة لسماع الدعوى، وهي الصفة والمصلحة والحق في رفعها باعتباره حقا مستقلا عن ذات الحق الذي ترفع بشأنه بطلب تقريره سواء كان عدم الحق في الدعوى أو سقوط حق العلم فيها أو لانقضاء المدد المحددة في القانون لرفعها، مما لا يختلط بالنوع الثاني المتعلق بشكل الإجراءات من جهة، وبالدفع المتعلق بأصل الحق المتنازع عليه من جهة أخرى، ومن ثم لا تنطبق القاعدة الواردة في المادة 110 من قانون المرافعات على الدفع الشكلي الذي ينفذ باسم عدم القبول؛ لأن هذا النوع من الدفوع يتعلق بإجراء أوجب القانون اتخاذه حتى تستقيم الدعوى، وهو بهذه المنزلة لا تستنفد به محكمة أول درجة ولايتها في نظر الدعوى، وبما مؤداه أنه يمتنع على القاضي أن يخوض في موضوع الحق المدعى به فيها أو ما يثار بشأنه من دفوع أو أية دعاوى فرعية مرتبطة به[39].

بعد مرحلة من التضارب القضائي، قام القضاء في فرنسا ومصر بإجراء تمييز دقيق داخل طائفة الدفوع بعدم القبول، فقسمت هذه الدفوع إلى نوعين: دفوع بعدم القبول الإجرائية المتعلقة بشكليات الدعوى، ودفوع بعدم القبول الموضوعية المرتبطة بالحق المطالب به أو بمسائل النظام العام.

أما بالنسبة للنتائج العملية المتعلقة بلحظة التمسك بهذه الدفوع، فقد تقرر أن الدفوع الإجرائية يجب إثارتها قبل الدخول في موضوع النزاع، وإلا سقط الحق فيها، في حين يجوز التمسك بالدفوع الموضوعية في أي مرحلة من مراحل الدعوى، حتى لأول مرة أمام محكمة الاستئناف، أو أمام محكمة النقض إذا كانت مرتبطة بالنظام العام وكان أساسها المادي قد سبق التمسك به أمام محكمة الموضوع[40].

وفيما يخص الآثار الإجرائية، فإنها تختلف بحسب نوع الدفع: فالدفع بعدم القبول الإجرائي، عند الطعن فيه استئنافاً، ينقل إلى محكمة الدرجة الثانية فقط ما فصلت فيه محكمة أول درجة، ولا يمتد أثره إلى موضوع النزاع الأصلي، إذ لا تستنفد ولاية المحكمة الاستئنافية للفصل فيما لم تبت فيه محكمة أول درجة، بينما تختلف الحال بالنسبة للدفوع الموضوعية التي ترتبط بالنظام العام، لما لها من أثر جوهري على النزاع ذاته[41].

ففي القانون المصري فإن قانون المرافعات السابق في نص المادة 142 لم يختلف ما جاء فيه عما جاء في قانون المرافعات الحالي رقم 13 سنة 1968 في المادة 10 منه؛ حيث أكد على أن الدفع بعدم القبول يجوز إبداؤه في أية حالة تكون عليها الدعوى، ولو في الاستئناف، وعند النظر إلى ما ذهب إليه المشرع نجده قريبا في حكمه من الدفوع الموضوعية؛ إذ أجاز إبداء الدفع بعدم القبول في أي حالة تكون عليها الدعوى ولو بالاستئناف، والغرض منه ألا يحرم المدعى عليه من دفاع في الدعوى يمس غالبا موضوعها، وهو في ذلك متطابق مع ما جاء في القانون الجديد في فرنسا؛ فكل من القانون المصري والقانون الفرنسي نجدهما قد راعيا مصلحة المدعى عليه حتى لا يحرم من دفاع يمس غالبا موضوع الدعوى المقامة ضده[42].

ب‌-                   هل الدفع بدم القبول من النظام العام؟

بما أن الدفع بعدم القبول يتوقف أساسا على انعدام الصفة أو المصلحة أو الأهلية أو الإذن بالتقاضي، فإن المحكمة تثيره تلقائيا لتعلقه بالنظام العام، طبقا للفقرة الثانية من الفصل 1 من ق م.م.

كما أن الحكم الصادر فيه يحوز حجية الأمر المقضي به[43].

ثانيا: أوجه الاختلاف بين الطلبات العارضة والدفع الموضوعي

   تعرف الطلبات العارضة بأنها الطلبات التي تقدم أثناء نظر الدعوى الأصلية، بهدف إضافة ادعاءات جديدة للطلب الافتتاحي. وتنقسم هذه الطلبات إلى نوعين: النوع الأول هو الطلبات الإضافية التي يقدمها المدعى عليه ضد المدعى، بهدف توسيع نطاق الدعوى الأصلية. والنوع الثاني هو ما يعرف بالتدخل أو الإدخال، حيث يقدم أحد الطرفين في الدعوى طلبا ضد شخص ثالث، أو يقدم شخص ثالث دعوى ضد أحد الطرفين أو ضدهما معا، بما يعكس التوسع في نطاق الخصومة وتعدد الأطراف ضمن الإطار الإجرائي المنظم للمسطرة المدنية[44].

   وتخضع الطلبات العارضة بجميع أنواعها لبعض القواعد العامة التي تحكم تقديمها، وكيفية النظر فيها[45]، وعليه نرى إبراز اهم الفوارق بينها وبين الدفوع الموضوعية كتالي:

_ الغرض القانوني: الغاية من الدفع الموضوعي تكمن في تفادي الحكم بما يطلبه الخصم، بينما الهدف من الطلب العارض هو السعي للحصول على مزية خاصة أو حماية حق إضافي[46].

_ الآثار على النزاع: الحكم بقبول الدفع الموضوعي ينهي النزاع على أصل الحق، في حين أن الحكم بقبول الطلب العارض قد يفضي إلى إنهاء النزاع في الدعوى الأصلية فقط في حالات محدودة.

_ إمكان التمسك به أمام محكمة الطعن: الدفوع الموضوعية يجوز التمسك بها أمام محكمة الاستئناف ما لم يتنازل عنها الخصم، أما الطلبات العارضة فلا يجوز تقديمها لأول مرة أمام محكمة الاستئناف.

_ طبيعة الحكم ومؤقتيته: مضمون الطلب العارض قد يكون نهائيا أمام محكمة الموضوع أو مؤقتا أمام قاضي المستعجلات، في حين أن الدفع الموضوعي يكون دائما نهائيا، غير قابل للزوال إلا بحكم لاحق.

_ سريان التقادم: الدفع الموضوعي لا يخضع للتقادم، بينما الطلبات العارضة تسري عليها قواعد التقادم.

_ إعادة الطعن أمام نفس المحكمة: لا يجوز لمن تمسك بالدفع الموضوعي أن يلجأ في حال إغفال المحكمة الفصل فيه إلى ذات المحكمة للفصل فيما أغفلته، لأن الإغفال يتعلق بالدفع نفسه، ولو كان مبناه موضوع نزاع، وليس بالطلب[47].

_ الاختصاص: الدفوع الموضوعية قد ترى المحكمة بعدم الاختصاص للبت فيها، أما الطلبات العارضة فيتوجب أن تكون جميعها ضمن اختصاص المحكمة، ضماناً لشرعية الفصل وفعالية الإجراءات.

خاتمة:

   في ختام هذه الدراسة، يتضح أن التمييز بين الدفوع الشكلية والموضوعية، وكذلك بين الدفع بعدم القبول والطلبات العارضة، يشكل حجر الزاوية لفهم ديناميات الخصومة المدنية وطبيعة السلطة القضائية. إن إدراك الفروق الدقيقة بين هذه الدفوع من الناحية الفقهية والإجرائية لا يعد مسألة نظرية محضة، بل هو ضرورة عملية لضمان حسن سير الخصومة، وضبط توقيت وطرق التمسك بالحقوق، وحماية مبدأ النظام العام الإجرائي.

ومن جهة أخرى، إن البحث في طبيعة كل دفع، سواء في التشريع المغربي أو المقارن، ومن خلال دراسة التجربة الفرنسية، والمصرية، والعراقية، يتيح للطالب والباحث فرصة لاكتساب وعي فلسفي وإجرائي عميق، يمكن من خلاله فهم مقاصد المشرع وأبعاد الحماية القضائية، وربطها بتصنيف الأحكام وآثارها على النزاع. فالتمييز بين الدفوع الموضوعية ومجاوراتها الشكلية والإجرائية، سواء تعلق الأمر بالحجية، أو بالإمكانات الإجرائية للتمسك بها أمام محاكم الطعن، أو بأثرها على استقرار النزاع، يشكل أداة معرفية أساسية لفهم عمل القضاء ومدى تقيده بالضوابط القانونية والفلسفية في آن واحد.

مقال قد يهمك :   جديد : مباريات للتوظيف بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي.

ولذلك، فإن مطالبة الطلبة والباحثين بالتعمق في دراسة هذه التفرقة والتفاعل معها، ليست مجرد واجب أكاديمي، بل هي خطوة حاسمة نحو إعمال فلسفة القانون الإجرائي في أبهى صورها، وضمان إدراك حقيقي لطبيعة الأحكام ومراتبها، وتفهم دقيق للعلاقة بين الشكل والجوهر في العمل القضائي.


الهوامش:

[1] أحمد السيد الصاوي: الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية: معدلا بالقانون رقم 76 لسنة 2007 والقانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء المحاكم الاقتصادية، دار النهضة العربية القاهرة، سنة1989، ص316

[2] أحمد أبوا الوفا، نظرية الدفوع في قانون المرافعات، القسم الأول، الطبعة السادسة، منشأة المعارف الإسكندرية، ،1980م، ص13

[3] أحمد أبوا الوفا: م س، ص13_14.

[4] أحمد السيد الصاوي: م س، ص316

[5] أحمد السيد الصاوي: م س، ص316

[6] المقصود بإقفال باب المرافعة هو انتهاء جميع إجراءات المحاكمة، سواء الشفوية أو الكتابية، ودخول الدعوى مرحلة الفصل من قبل المحكمة. وبعبارة أخرى، يعني ذلك إغلاق جميع سبل الدفاع أمام الأطراف، وانحلال أثر المشاركة المباشرة للخصوم في مسار الدعوى، إذ تصبح القضية في حوزة المحكمة وحدها للفصل فيها. ويظل الأصل أن الحق في إبداء الدفع الموضوعي لا يسقط إلا عند تحقق إقفال باب المرافعة واستيفاء كافة إجراءات المحاكمة، مما يضمن للخصوم إمكانية الدفاع عن حقوقهم وطرح ما يشاءون من دفوع، سواء كانت جوهرية تتعلق بحقوقهم أو شكلية مرتبطة بمسار الدعوى. حمود فخر الدين عثمان: الدفوع الشكلية والموضوعية للخصوم في دعوى البيئة، مجلة وادي النيل للدراسات والبحوث، العدد السادس أبريل 2025م ص261.

[7] هذا الأخير بصفته مسؤولا عن تسيير المسطرة و له صلاحية دون سواه لكي يقرر أن التحقيق قد تم ويوقف عند الاقتضاء تبادل مذكرات الأطراف غير أنه تحصل حالات يكون فيها الأمر بالتخلي قد اتخذ مبكرا أو تظهر بين تاريخ إصدار هذا الأمر وتاريخ الجلسة عناصر من شأنها أن تؤثر في الحكم أو عناصر سابقة للأمر لم يعثر عليها الطرف إلا بعد صدور هذا الأمر بالتخلي  ،بحيث سمح المشرع للقاضي بذلك كما لو كانت هذه الدفوع تتعلق بإثارة واقعة تعذرت إثارتها قبل قفل باب المرافعة لسبب خارج عن إرادة الأطراف، حيث  يمكن للمحكمة إعادة فتح باب المرافعة من جديد بقرار معلل (المادة 335 من ق.م م)- ادولف ريو لط ترجمة وتعريب إدريس ملين: المسطرة المدنية في شروح، جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، الرباط، بدون ذكر طبعة أو المطبعة ص223 و224 شرح مقتضيات المادة 335 من ق م.م.

[8] عبد العزيز حضري، المسطرة المدنية، (دون ذكر الطبعة)، مطبعة الجسور، وجدة 2009م، ص76.

[9] الفصل 335 في فقرته الأخيرة على:”… غير أنه يمكن لمحكمة الاستئناف بقرار معلل إعادة القضية الى المستشار المقرر إذا طرأت بعد أمر الاحالة واقعة جديدة من شأنها أن تؤثر على القرار، أو إذا تعذرت إثارة واقعة قبل ذلك خارجة عن إرادة الأطراف “.

[10] أحمد السيد الصاوي: م س، ص317

[11] والقضاء المغربي في سابقة له أكد أن دفع موضوعي حق لصاحبه الذي له المصلحة في إثارته في أي مرحلة كانت عليها الدعوى مادام ليس في القانون ما يمنعه من ذلك أو ما يلزمه بتقديمه داخل أجل الطعن بالاستئناف غير انه لا يجوز له إثارته الأول مرة أمام محكمة النقض. القرار عدد 428 الصادر بتاريخ 24 مارس 2011 في الملف التجاري عدد 1157/3/2/2010.

[12] Stipule qu’Article 72 ” : Les défenses au fond peuvent être proposées en tout état de cause.”

[13] مثلا إذا رفع شخص دعوى مطالبة بسداد دين، يمكن للمدعى عليه أن يدعي في أي وقت أن الدين قد سدد بالفعل أو أن الالتزام قد زال بسبب التقادم.

[14] محمد نعيم ياسين: نظرية الدعوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافعات المدنية والتجارية، دار عالم الكتب للطباعة-الرياض-، دار النفائس للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية، 2003 ص613

[15] أحمد السيد الصاوي: م س، ص317

[16] أحمد السيد الصاوي: م س، ص317

[17]  عبد العزيز حضري: م س، ص75و76

[18] أحمد السيد الصاوي: م س، ص317

[19] أحمد أبوا الوفا: م س، ص10

[20] هشام الطويل: الدفع بعد قبول الدعوى في قانون المرافعات والقوانين الخاصة منشأة المعارف بالإسكندرية الطبعة الأولى 1988، ص102

[21] للمزيد من الإطلاع على هذا الموضوع راجع: إبراهيم محمد السعدي أحمد شريعي: الصفة في الدفاع أمام القضاء المدني، رسالة مقدمة لنيل درجة دكتوراه في الحقوق، كلية الحقوق، قسم قانون المرافعات، جامعة عين شمس،2007.

[22] ينص الفصل 1 من ق م.م أنه:” لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة، والأهلية، والمصلحة، الإثبات حقوقه…”

[23] وينص الفصل 143 من ق م.م:” لا يمكن تقديم أي طلب جديد أثناء النظر في الاستئناف باستثناء طلب المقاصة أو كون الطلب الجديد لا يعدو أن يكون دفاعا عن الطلب الأصلي…”

[24] رجب عريبي الترهوني: الإطار الإجرائي للدفوع الموضوعية، أطروحة لنيل شهادة دكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة للنشر، ط1، 2022 ص92.

[25] مأمون الكزبري وإدريس العلاوي العبدلاوي، شرح المسطرة المدنية في ضوء القانون المغربي -الجزء الأول- الأحكام طرق الطعن_ التحكيم، (دون ذكر الطبعة)، بيروت مطبعة دار القلم 1973م ص152

[26] قرار محكمة الاستئناف التجارية بفاس عدد 885 الصادر بتاريخ 10/10/2000 في الملف رقم 746/2000. أورده الشرقي حراث، الدفوع الشكلية في المادة المدنية -دراسة عملية على ضوء اجتهادات محكمة النقض ومحاكم الموضوع أكثر من 280 قرار-، (دون ذكر الطبعة) مكتبة الرشاد، سطات، مطبعة الأمنية الرباط، السنة 2016م، ص58

[27] مأمون الكزبري – إدريس العلوي العبدلاوي: م س ص153

[28] رجب عريبي الترهوني: م س، ص93

[29] عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، الطبعة التاسعة، دراسة في ضوء مستجدات مشروع 2018، مكتبة المعارف مراكش، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2019م، ص248

[30] بالإضافة إلى الفقه المغربي سايره الفقه الأجنبي في هذا التوجه: محمد خليل أبو بكر: دفوع عدم القبول ونظامها الإجرائي دار الثقافة، عمان سنة 1996 ص 67. أوردته رجب عريبي الترهوني: الإطار الإجرائي للدفوع الموضوعية م س ص70.

[31] أحمد أبو الوفا: م س ص836

[32] هذا التوجه يتضمن من الفقه المصري ساير التوجه السابق وهم: عبد المنعم الشرقاوي: نظرية المصلحة في الدعوى، ط1 مكتبة عبد الله وهبة مصر 1947، ص41. أورده رجب عريبي الترهوني: الإطار الإجرائي للدفوع الموضوعية س ص76

وأبو الوفا: نظرية الدفوغ في قانون المرافعات: م س ص515

[33] محمد الأزهر: الدعوى المدنية، مطبعة دار النشر المغربية، ط الأولى 2010 ص142

[34] قرار محكمة النقض عدد 348 بتاريخ 27/04/1997، في الملف المدني رقم 1319. أورده الشرقي حراث: م س ص60

[35] عبد العزيز حضري: قانون المسطرة المدنية: م س ص78

[36] (إذا قضت محكمة الدرجة الأولى بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة فإنها تكون بذلك قد فصلت في دفع موضوعي) قرار محكمة النقض عدد 3058 الصادر بتاريخ 21/05/1997، في الملف المدني رقم 1319/94. أورده الشرقي حراث: م س ص60

[37] قانون المرافعات المدنية والتجارية وفقاً لآخر تعديل صادر في 5 سبتمبر عام 2020. قانون رقم 13 لسنة 1976، بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية.

[38] رجب عريبي الترهوني: م س، ص72.

[39] تطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه: “… الدفع الشكلي الموجه لإجراءات الخصومة وشكلها. العبرة بحقيقة الدفع ومرماه دون تسميته. مؤداه عدم استنفاد محكمة أول درجة ولايتها بالحكم بقبول الدفع الأخير. وجوب إعادة محكمة الاستئناف الدعوى إلى محكمة أول درجة في حالة إلغائها لذلك الحكم”؛ انظر: الطعن رقم 3542 لسنة 80 ق الصادر بجلسة 2019/3/27؛ الطعن رقم 1324 لسنة 89 ق الصادر بجلسة 2019/3/27؛ الطعن رقم 1330 لسنة 88 ق الصادر بجلسة 2019/3/10؛ الطعن رقم 8004 لسنة 73 ق الصادر بجلسة 2019/2/18 وغيرها من الاحكام /أورده رجب عريبي الترهوني: م س، ص72

[40] رجب عريبي الترهوني: المرجع نفسه، ص73

[41] رجب عريبي الترهوني: المرجع نفسه، ص73و74

[42] ينظر: أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية بمقتضى قانون المرافعات الجديد رقم 23 لسنة 1968، وقانون الإثبات رقم 20، لسنة 1968، الطبعة الأولى، دار المعارف القاهرة، 1975م، ص 882 و833.

[43] الشرقي حراث: م س ص61

[44] للمزيد من الإطلاع والتعمق في الموضوع راجع: محمد محمود إبراهيم: النظرية العامة للطلبات العارضة، دار الفكر العربي ط-الأولى، 1984، ص65 وما بعدها. أورده عبد العزيز الحضري: المسطرة المدنية، م س ص58.

[45] عبد العزيز الحضري: م س ص58

[46] عبد الكريم الطالب: م س ص203

[47] محمد أنور حلمي – عبير يحيى عبد الغفار: أحكام الدفوع الموضوعية والشكلية، بحث منشور بمجلة الاعمال القضائية والمحاماة، مصر بتاريخ 19/12/2014 ص3 و4.

error: عذرا, لا يمكن حاليا نسخ او طباعة محتوى الموقع للمزيد من المعلومات المرجوا التواصل مع فريق الموقع عبر البريد الالكتروني : [email protected]