تقرير لندوة اللجنة الجهوية لحقوق الانسان لطنجة تطوان الحسيمة حول موضوع: “العدالة المنصفة: مسارات في أفق تمكين ولوج النساء والفتيات للعدالة”.

مغرب القانون/طنجة
احتضنت مدينة طنجة، يوم الخميس 26 مارس 2026، لقاء جهويا موسعا نظمته اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة تطوان الحسيمة، تحت عنوان “العدالة المنصفة: مسارات في أفق تمكين ولوج النساء والفتيات للعدالة”.
شكل اللقاء، الذي يأتي تخليدا لليوم العالمي للمرأة، منصة لتشريح واقع الترسانة القانونية المغربية ومساءلة نجاعتها في تحقيق إنصاف فعلي للنساء، بعيدا عما أسماه المشاركون :”المساواة الشكلية”.
في مستهل اللقاء، أكدت سلمى الطود، رئيسة اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان، أن الحديث عن “عدالة منصفة” يحمل في طياته إقرارا بوجود “عدالة غير منصفة” حاليا، مشددة على أن المساواة أمام القضاء هي الركيزة الأساسية لأي عدالة حقيقية.
وأوضحت أن حملات المجلس الوطني لحقوق الإنسان لتشجيع التبليغ عن العنف تصطدم بـ”نوع من الإحباط” لدى النساء نتيجة عدم التكافؤ أمام القضاء.
ورغم إشادتها بالتقدم الذي أحرزه المغرب على مستوى الدستور والتفاعل مع المواثيق الدولية، إلا أنها سجلت بأسف تعثر ملاءمة القوانين الوطنية مع هذه الالتزامات، مستشهدة بتأخر صدور مدونة الأسرة الجديدة.
وأشارت الطود إلى أرقام وصفتها بالمقلقة تفيد بأن المرأة لا تتمتع عالميا إلا بـ 64% من الحقوق القانونية المتاحة للرجل، منبهة إلى استمرار “فراغات قانونية” في المغرب تتعلق باستمرار تزويج القاصرات، والتمييز في قانون الجنسية.
وأبرزت الطود أن تنظيم هذا اللقاء يندرج في سياق إغناء النقاش العمومي والترافع المؤسساتي، ليس فقط من أجل رصد العوائق، بل بهدف الانتقال من مرحلة “الاعتراف القانوني” بالحقوق إلى ضمان ممارستها بشكل فعلي ومنصف داخل المحاكم.
من جهتها، قاربت الأستاذة بالمعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة، عائشة أشهبار، الإطار القانوني الوطني في ضوء المستجدات التي تلت دستور 2011، معتبرة أن تناول هذا الملف يقتضي بالضرورة ربط النصوص القانونية بسياقات تطبيقها والتحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي.
وأوضحت أشهبار أن القوانين التي تلت الوثيقة الدستورية شكلت “جيلا أول” من الإصلاحات، غير أن التحولات التي برزت منذ عام 2016، وعلى رأسها الطفرة الرقمية، أفرزت إشكالات معقدة تجعل من غير الكافي الاستمرار في المقاربات التقليدية نفسها دون مساءلة قدرة النصوص على مواكبة الواقع المتغير.
وفي سياق متصل، شددت الباحثة في قضايا النوع الاجتماعي على أن المرجعيات الدولية لم تعد تحصر النقاش في “الحواجز القانونية”، بل أصبحت تربطها بظروف اجتماعية وثقافية واقتصادية شاملة؛ مذكرة بأن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، تفرض ضمان حماية قانونية فعالة للنساء على قدم المساواة مع الرجال.
واعتبرت أشهبار أن الولوج الحقيقي للعدالة لا ينفصل عن شروط الإنصاف خلال مختلف مراحل المساطر القضائية، ولا عن النجاعة في “جبر الضرر” للناجيات من العنف، مسجلة في الوقت ذاته استمرار فجوة عميقة بين المقتضى القانوني والممارسة الواقعية.
كما توقفت المتحدثة عند “عدم التناغم” بين الترسانة القانونية، ضاربة المثل بالتصادم بين القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وقانون التنظيم القضائي لسنة 2022، حيث تظل اللغة وفق المتحدثة عائقا بنيويا يحول دون وصول النساء الأمازيغيات للعدالة منذ لحظة تحرير الشكاية.
وإلى جانب تساؤلها عن مدى تأهيل المساعدين الاجتماعيين لاستقبال الحالات الوافدة، نبهت أشهبار إلى أن “العنف الرقمي” بات يكبل النساء في ظل غياب أثر ملموس للنصوص القانونية الحالية، التي تظل في كثير من جوانبها مجرد “تنظير” يفتقر للنجاعة المطلوبة على أرض الواقع، وفق ذات المتحدثة.
وفي سياق متصل، شدد الدكتور أنس سعدون، المستشار بديوان رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على أن العدالة المنصفة تقتضي الإقرار بأن النساء يواجهن تفاوتا تاريخيا يجعل المساواة في النصوص غير كافية. مستعرضا في هذا السياق مجموعة من المكتسبات التشريعية والاجرائية التي تم إقرارها مؤخرا من أجل تسهيل ولوج النساء والفتيات الى العدالة من أبرزها مراجعة عدد من القوانين منها المسطرة المدنية والجنائية وقانون التنظيم القضائي، وهو ما عجل بمأسسة خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف في القطاعات الحيوية، وتوسيع نطاق الأدوار التي تقوم بها مؤسسة المساعدة الاجتماعية في استقبال المتقاضين وإعطاء عناية أوفر للفئات الهشة، فضلا عن إقرار الآجال الاسترشادية كأداة لتفعيل الحق الدستوري في التقاضي داخل أجل معقول، مسجلا في هذا السياق وجود تحديات ما تزال تواجه النساء في ولوجهن الى العدالة، أبرزها التحدي المرتبط بالتكلفة، ذلك أن نظام المساعدة القضائية الحالي لا يغطي كافة المصاريف التي تحتاجها المتقاضيات في مسار وصولهن الى العدالة، علما بأن تجارب مقارنة تقر المعونة القضائية والتي تغطي مصاريف التنقل والإقامة، كما أشار المتدخل الى التحدي المرتبط بالمعرفة، فرغم صدور تشريعات مهمة تقر حقوقا للنساء والفتيات الا ان نطاق العلم بها ما يزال محدودا، وتضطر الكثير من الناجيات من العنف الى التنازل عن حقوقهن أو عدم المطالبة بها بسبب عدم المعرفة ومحدودية الوصول الى المساعدة القانونية المجانية والصحيحة والمأمونة، كما توقف المتدخل عند اشكال عدم كفاية القوانين والتي تجعل عددا من أفعال العنف ضد النساء خارج نطاق التجريم، وأشار في هذا الصدد الى إشكالية غموض تجريم التحرش الجنسي الذي استعمل فيه المشرع عبارة “الامعان” دون أن يحدد مفهومه، فضلا عن إشكالية تحديد موقف المشرع من العمل المنزلي وما اذا كان مساهمة من الزوجة في تكوين ثروة الأسرة، كما تطرق أيضا الى بعض مظاهر العنف الاجرائي التي ما تزال مستمرة نتيجة خصاص المساطر القانونية التي تراعي بعد النوع الاجتماعي، حيث أشار في هذا السياق الى مشكلة جبر ضرر الضحايا في غياب صندوق لدعم الضحايا وأداء التعويضات القضائية المحكوم بها والتي قد يتعذر تنفيذها، فضلا عن مشكل التقادم، ذلك أن اخضاع عدد من الجرائم الى القواعد العامة التي تنظم مدد التقادم وعدم استحضار الدوافع التي تجعل الضحايا يترددن في التبليغ قد يؤدي أحيانا الى افلات المعنفين من العقاب.
وفي السياق ذاته أكد الدكتور أنس سعدون على الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا الحديثة في تقريب القضاء من المتقاضين وفي توفير المعلومة القانونية وتبسيطها، داعيا الى تعميم خدمات المشورة القانونية عن بعد، وتفعيل مكاتب الاستقبال الافتراضية، والفعلية التي تستحضر وضعية كل الفئات الهشة.
داعيا في نهاية مداخلته الى ضرورة التسريع بوثيرة ملاءمة التشريعات الوطنية مع الدستور الجديد ومراجعة النصوص التمييزية ومواجهة الأعراف الاجتماعية المكرسة للتمييز حتى تتحول “المساواة القانونية” إلى “عدالة واقعية”.
أما على المستوى السوسيولوجي، فقد اعتبرت أستاذة علم الاجتماع، أسماء بنعدادة، أن الموروث الثقافي هو “العنصر الحاسم” الذي يعيق ولوج النساء للعدالة.
وأوضحت أن تداخل الفقر مع الأمية يخلق وضعا معقدا يمنع النساء من المطالبة بحقوقهن، خاصة في ظل “الوصم الاجتماعي” الذي ينظر للمرأة التي ترتاد المحاكم بنظرة قدحية.
وأكدت بنعدادة أن “الثقافة الأبوية” لا تزال تبرر العنف تحت ذريعة “الشرف” أو “تماسك الأسرة”، مما يساهم في حرمان النساء من حقوق أساسية.
وخلصت إلى أن أي إصلاح قانوني لن يحقق أهدافه دون “تغيير ثقافي عميق” يفكك الهيمنة الذكورية ويشجع النساء على كسر حاجز الصمت والخصوصية الأسرية التي تخفي خلفها انتهاكات جسيمة.
