الطبيعة القانونية لواقعة استغلال الموظف للسكن الإداري خلال مزاولته لمهامه: تعليق على قرار محكمة النقض رقم 190/3

الحسن اولياس باحث في العلوم القانونية والإدارية
تعليق على قرار محكمة النقض رقم 190/3 الصادر بتاريخ 22 مارس 2022 في الملف عدد 849/1/3/2021
القاعدة القانونية للقرار:
السكن الممنوح للموظف بمناسبة مزاولة مهامه يعد عارية استعمال مؤقت يلتزم برده إذا تحقق سبب من أسباب هذا الرد ومن ضمنها انتقال الموظف إلى العمل في مكان آخر ويعتبر إقرار الموظف بعدم توفره على سكن في المدينة التي يزاول فيها مهامه مجرد التزام يضاف إلى التزامه بالإفراغ الذي يوجبه عليه القانون عند تحقق أسابه.
- تمهيد
يعد السكن الوظيفي بمثابة امتياز يمنح لبعض أعوان الدولة أو الجماعات العمومية إما بحكم موقعهم السياسي أو استنادا لمهام حساسة موكول إليهم مأمورية القيام بها أو بسبب رتبهم الإدارية، ويخول هذا الامتياز أحقية المعنيين بالأمر في الانتفاع من السكن ما لم تتوفر ثمة موجبات تقضي بضرورة الافراغ منه.
وفي هذا الإطار يتعين التمييز بين السكن الوظيفي والسكن الإداري، فالنوع الأول هو كل سكن مخصص لفئة من الموظفين أو الأعوان المتعاقدين مع الإدارة بحكم مسؤوليات إدارية أسندت إليهم، وهو غير قابل للتفويت، في حين أن الصنف الثاني يتعلق بكل مسكن مملوك للإدارة يستفيد منه الموظف العمومي على الرغم من عدم إسناده أي منصب للمسؤولية.
ويعد القرار الوزيري الصادر في 19 شتنبر 1951 في شأن النظام الخاص بالموظفين المسكنين، كما وقع تغييره وتتميمه، الإطار العام الذي يحكم السكن الوظيفي، والذي ميز بين فئات وأنماط الموظفين المسكنين.
في حين يعتبر المرسوم رقم 2.83.659 بتاريخ 22 من ذي الحجة 1407(18 غشت 1987) المغير بواسطة المرسوم رقم 2.99.243 الصادر بتاريخ 16 من ربيع الأول 1420 (30 يونيو 1999) الإطار القانوني المنظم لبيع العقارات المملوكة للدولة لمن يشغلها من الموظفين والمستخدمين العاملين في إدارات الدولة بموجب عقود.
وبناء على مقتضيات المادة 1 من المرسوم أعلاه، يؤذن للدولة (الملك الخاص) في أن تبيع بالتراضي المساكن المخزنية لمن يشغلها من موظفي الدولة وأعوان الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وكذا المستخدمين العاملين في إدارات الدولة بموجب عقود والذين يثبتون أنهم قضوا ثلاث سنوات في الخدمة بإدارات الدولة.
كما تشمل أحكام هذا المرسوم الموظفين والاعوان المذكورين أعلاه والمحالين على المعاش وكذا أرامل وأبناء الموظفين والاعوان المتوفين قبل إحالتهم على التقاعد أو بعد ذلك والذين يشغلون مساكن مخزنية.
وتستثنى من مجال البيع حسب المادة 2 من المرسوم:
– المساكن المخصصة لأعضاء الحكومة؛
– المساكن التي تقع داخل مبنى أو مجمع إداري؛
– المساكن الوظيفية المحددة بلائحة ملحقة بقرار مشترك لوزير الاقتصاد والمالية والوزير المعني؛
– المساكن التي يشغلها موظفون سبق لهم أن استفادوا من أحكام الظهير الشريف بتاريخ 17 يونيو 1963 ومن مقتضيات المرسوم بتاريخ 18 غشت 1987.
2- ملخص النازلة الصادر بشأنها قرار محكمة النقض
* تقدمت الدولة (الملك الخاص) بدعوى أمام المحكمة الابتدائية ببني ملال تعرض من خلالها أنه تم إسناد سكن لأحد الموظفين في إطار النظام الخاص بالموظفين المسكنين بحكم وظيفته، وأنه انتقل بعد ذلك للعمل بمدينة أخرى وهذا الانتقال جعله ملزما بإفراغ هذا السكن داخل أجل شهرين ابتداء من تاريخ انتقاله عملا بمقتضيات الفصل 13 من القرار الوزاري المؤرخ في 19 شتنبر 1951 على اعتبار أن الانتقال للعمل بمدينة أخرى يعتبر من خالات الانقطاع عن العمل التي يتعين معها على الموظف إفراغ السكن الممنوح له، والتمست بعد توجيه إنذار بالإفراغ للموظف المعني اعتباره محتلا بدون سند ولا قانون، مما يبرر الاستجابة لطلب إفراغه من السكن تحت طائلة غرامة تهديدية، معززة دعواها بمجموعة من الوثائق.
* أدلى المدعى عليه بمذكرة جوابية مع مقال مضاد عرض من خلالهما أنه تم إسناد السكن إليه في إطار النظام الخاص بالموظفين المسكنين وأنه بعد صدور القرار الوزيري بتاريخ 30 شتنبر 1999 المتعلق ببيع العقارات لمن يشغلها من الموظفين والمستخدمين العاملين في إدارات الدولة تقدم بطلب اقتناء السكن وأن إجراءات التفويت قطعت أشواطا مهمة ملتمسا الحكم على الدولة (الملك الخاص) بإتمام إجراءات البيع.
* صدر حكم ابتدائي بإفراغ المدعى عليه من السكن وبرفض طلبه المضاد بإتمام إجراءات البيع.
* تم إلغاء الحكم أعلاه من طرف محكمة الاستئناف التي تصدت وحكمت من جديد في الطلب الأصلي برفضه وفي الطلب المضاد بعدم قبوله، معللة رفض طلب الافراغ بكون الانتقال للعمل بمدينة أخرى لا يعتبر موجبا للإفراغ استنادا إلى مقتضيات الفصل 13 من القرار الوزيري بتاريخ 19 شتنبر 1951.
* طعنت الدولة (الملك الخاص) بالنقض ضد القرار الاستئنافي، فأصدرت محكمة النقض قرارا بنقض القرار المطعون فيه معللة إياه بما يلي:
” حيث صح ما عابته الطاعنة على القرار ذلك أن السكن الممنوح للمطلوب بمناسبة مزاولة مهامه يعد عارية استعمال مؤقت يلتزم برده إذا تحقق سبب من أسباب هذا الرد الذي يقتضي إفراغه له في ظرف شهرين ابتداء من تحقق سبب لكفه عن مهامه طبقا للفصل 13 من القرار الوزيري المؤرخ في 19/09/1951 المعدل بالقرار المؤرخ في 27/04/1977 والذي يقضي بأنه في حال الانقطاع عن العمل لأي سبب من الأسباب فإن الموظف المسكن في السكن الوظيفي بصفته هذه يفقد الحق فيه ويتعين عليه إفراغه في ظرف شهرين، كما أن تحقق السبب في وضع حد لشغل السكن بمناسبة الوظيفة يكتسي طابعا عاما فلا يحصر في سبب معين إذ يعني الانقطاع عن مزاولة المهام ليس فقط ما كان من قبيل الاستقالة أو الإعفاء أو العزل أو الإحالة على التقاعد و إنما أيضا ما كان من قبيل التوقف عن العمل أو الإلحاق أو الانتقال للعمل بنكان آخر وهي الصيغة التي استقر عليها العمل القضائي تفسيرا لقراري الوزير الأول المؤرخين الأول في 19/09/1951 والثاني في 27/04/1977 ، والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه بتعليلها لقرارها بأن الفصل 13 من قرار 19/09/1951 لا يتضمن حالة الانتقال للعمل بمدينة أخرى ولم يعتبرها سببا موجبا للإفراغ و أن المنشور الإداري الذي استندت إليه الطالبة يوجب من أجل إفراغ الموظف المسكن أن يوقع تصريحا بالشرف مع تصحيح توقيعه يقر فيه بعدم توفره على مسكن شخصي بالمدينة التي يزاول فيها مهامه والتزامه بإفراغ المسكن الممنوح له في أجل شهرين ابتداء من تاريخ الكف عن مهامه الشيء الذي لا يتوفر في نازلة الحال، فردت طلب الإفراغ لذلك والحال أن أسباب الإفراغ للموظف المسكن استقر الرأي على الاطلاق فيها وتشمل انتقاله للعمل في مكان آخر وليس تصريح موظف بإقراره على نفسه بعدم توفره على مسكن شخصي في مكان مزاولة مهامه والتزامه افراغ السكن الممنوح له في الأجل المحدد لذلك منذ تحقق السبب لا فراغه من قبيل الشروط التي تلتزم بها الجهة المانحة للسكن بل هي التزام على الموظف المسكن يضاف الى التزامه بالإفراغ الذي يوجبه عليه القانون عند تحقق سبب هذا الافراغ، مما لم تطبق المحكمة القانون الواجب التطبيق تطبيقا صحيحا وعرضت قرارها للنقض”.
3- استنتاجات
1-3 الأسباب الموجبة للإفراغ من السكن
ومن بين الأسباب الموجبة لرد السكن ما أشار إليه الفصل 1 من قرار الوزير الأول رقم 3.89.77 المؤرخ في 5 شتنبر 1951 الذي نص على ما يلي: ” في حالة الانقطاع عن العمل لأي سبب من الأسباب، فإن الموظفين المسكنين وجوبا أو المسكنين بحكم القانون في أملاك الدولة أو أملاك البلديات المكراة المعدة بصفة رئيسية لفائدة مصلحة عمومية يفقدون الحق في السكنى ويتعين عليهم إفراغ الأماكن في أجل شهرين ”
وفي هذا الشأن، فإن الأسباب القانونية للانقطاع عن العمل والموجبة لإفراغ المساكن الإدارية متعددة وتتمثل فيما يلي:
– الاستقالة؛
– الإحالة على التقاعد؛
– الإعفاء من المهام؛
– الاستيداع؛
– الوفاة.
وإلى جانب الأسباب القانونية أعلاه، هناك موجب أخر درج العمل القضائي على اعتباره سببا لوجوب إفراغ الموظف من السكن الذي يعتمره وهو واقعة انتقال الموظف قصد العمل بمدينة أخرى غير تلك التي يتواجد بها السكن المعني، وهي حالة القضية الصادر في شأنها قرار محكمة النقض المتحدث عنه.
2-3 الطبيعة القانونية لشغل السكن الإداري وموقف العمل القضائي من بيع المساكن
انطلاقا من تعليل قرار محكمة النقض، يتضح أن هذه الأخيرة قد أكدت على مبدأ أساسي وهام في مجال البيوعات التي تحكم مساكن الدولة ألا وهو مبدأ الرضائية من جهة وكون السكن الممنوح للموظف بمناسبة مزاولة مهامه يعد بمثابة عقد عارية استعمال مؤقت ليس إلا يلتزم برده إذا تحقق سبب من أسباب هذا الرد المنصوص عليها قانونا، والتي تم التطرق إليها سابقا.
مبدأ التراضي:
التراضي هو تطابق إرادتين، والمقصود بالإرادة، هنا، هي الإرادة التي تتجه إلى إحداث أثر قانوني معين، هو إنشاء الالتزام أو نقله أو تعديله أو إنهاؤه.
والتراضي، كذلك، هو توافق الإرادتين على إحداث أثر قانوني معين (اقتران الايجاب بالقبول)،
ويُعَدّ التراضي ركن العقد الأساسي. فإذا فُقِدَ، لم ينعقد العقد. غير إنه يلزم أن يكون هذا التراضي سليماً، أي أن تكون إرادة كل من طرفي العقد، قد خلت من أي عيب يعيبها، من غلط أو تدليس أو إكراه أو استغلال. فإذا شاب رضاء أي من المتعاقدين عيب من هذه العيوب، كان العقد قابلاً للإبطال لمصلحته.
ويتأكد مبدأ الرضائية في بيع مساكن الدولة لمن يشغلها من الموظفين انطلاقا من المادة 1 من المرسوم بتاريخ 30 يونيو 1999 التي جاء فيها: ” يؤذن للدولة (الملك الخاص) في أن تبيع بالتراضي المساكن المخزنية لمن يشغلها من موظفي الدولة وأعوان الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وكذا المستخدمين العاملين في إدارات الدولة بموجب عقود والذبين يثبتون أنهم قضوا ثلاث سنوات في الخدمة بإدارات الدولة“
و الجدير بالتذكير أن العمل القضائي المغربي مستقر على أن بيع مساكن الدولة يخضع كغيره من البيوع لمبدأ الرضائية، و أن الدولة غير ملزمة ببيع مساكنها لمن يشغلها من الموظفين العموميين أو العاملين بإدارات الدولة بموجب عقود، كما أن طلب الاقتناء المقدم من طرف الموظف المسكن في هذا الإطار لا يعدو أن يكون سوى إيجابا يحتاج إلى قبوله من طرف الإدارة، وذلك في إطار سلطتها التقديرية وحسبما تراه لازما في إطار المصلحة العامة، وهذا ما أكده قرار حديث صادر عن محكمة النقض عدد 200/1 بتاريخ 21 فبراير 2019 في الملف عدد 2914/4/1/2017، الذي جاء فيه: ” ….في حين أثارت الطالبة أمامها بأن تفويت المسكن موضوع النزاع يخضع للمرسوم الصادر بتاريخ 30/06/1999 الذي يأذن للدولة(الملك الخاص) في أن تبيع بالتراضي المساكن المخزنية لمن يشغلها من موظفي الدولة و أعوان الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بمقتضى مادته الأولى التي استهلت بعبارة ” يأذن” التي تفيد الاختيار وليس الإلزام، ويكون تبعا لذلك طلب الاقتناء المقدم من طرف المطلوبين للإدارة مجرد إيجاب يحتاج إلى قبولها في إطار سلطتها التقديرية حسب ما تراه لازما في إطار المصلحة العامة، إضافة إلى كون المسكن المذكور يدخل ضمن المساكن التي لا يجوز أن تباع لمن يشغلونها المحددة بمقتضى المادة الثانية من نفس المرسوم باعتباره يقع داخل مجمع إداري كما هو ثابت من خلال رسالة النيابة الإقليمية والتكوين عد…. بتاريخ …التي تفيد بأنه تابع لمؤسسة…، وبان مدير المؤسسة المذكورة لا يتوفر على سكن وظيفي لكونه محتل من قبل المطلوبين، وبانه غير قابل للتفويت كغيره من السكنيات الإدارية التابعة للمؤسسة، ويكون بذلك مستثنى بقوة القانون من عملية التفويت، والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما أيدت الحكم المستأنف، ودون مراعاة ما ذكر، لم تجعل لما قضت به أي أساس من القانون، وعللت قرارها تعليلا فاسدا يوازي انعدامه، مما عرضه للنقض.”
استغلال الموظف للسكن هو بمثابة عقد عارية استعمال:
نظم المشرع المغربي عقد عارية الاستعمال في الفصل 830 وما بعده من قانون الالتزامات والعقود.
وهكذا، فإن عارية الاستعمال عقد بمقتضاه يسلم أحد طرفيه للآخر شيئا، لكي يستعمله خلال أجل معين أو في غرض محدد على أن يرده بعينه. وفي العارية يحتفظ المعير بملكية الشيء المستعار وبحيازته القانونية. وليس للمستعير إلا مجرد استعماله.
ويلزم لإعارة الشيء، توفر أهلية التصرف فيه على سبيل التبرع. وليس للأوصياء والمقدمين ومن يتولون إدارة أموال الغير أن يعيروا الأشياء التي يكلفون بإدارتها.
ويسوغ أن ترد عارية الاستعمال على الأشياء المنقولة والعقارية، كما تتم هذه العارية بتراضي الطرفين وبتسليم الشيء إلى المستعير.
انطلاقا مما سبق، يتأكد أن قرار محكمة النقض موضوع هذا التعليق جاء موفقا لانسجامه مع موقف نفس المحكمة السابق الذي اعتبر أن بيوع مساكن الدولة يتم بالتراضي بين الإدارة والمعني بالأمر وأن ثبوت أحد مسوغات الانقطاع عن العمل يبرر حق الدولة في مباشرة مسطرة الافراغ في حق الموظف المعني، وهذا يتماشى أيضا مع أركان وخصائص عقد عارية الاستعمال والتي يمكن إيجازها فيما يلي:
الأركان:
الرضا: بما أن عقد العارية يبرم بين شخصين أحدهما معير والأحر مستعير، فلابد من رضا الطرفين؛
المحل: يكمن المحل في الشيء الذي يعيره المعير للمستعير ويمكن أن ينصب على عقار
السبب: هو الانتفاع بالعين موضوع الإعارة وعدم مخالفة ذلك للنظام العام والأخلاق الحميدة
الخصائص:
من جملة خصائص عقد العارية رد الشيء المعار عند انتهاء المدة المحددة للانتفاع.
من ثمة، يمكن تكييف الاستقالة، الإحالة على التقاعد، الإعفاء من المهام، الاستيداع، الوفاة إلى جانب الانتقال للعمل بمدينة أخرى بمثابة موجبات لانتهاء المدة المحددة لاستفادة الموظف أو المتعاقد مع الإدارة من السكن الممنوح له والتي تؤسس لرفع دعوى الافراغ ضده من طرف الإدارة متى امتنع عن إخلاء السكن.
ومما يزكي المقتضى أعلاه أن الاجتهاد القضائي أكد في أكثر من مناسبة على أن الإتاوة التي يؤديها الموظف للإدارة بعد انقطاعه عن العمل واستمراره في شغل السكن، لا تعتبر وجيبة كرائية بقدر ما هي تعويض عن الاحتلال ليس إلا.
