بولعيون عمر: الإدارة الإلكترونية والضريبة، أية علاقة؟

بولعيون عمر طالب باحث في سلك الدكتوراه
الإدارة الإلكترونية والضريبة، أية علاقة؟
Electronic administration and taxation, What relationship?
ملخص المقال بالعربية:
يتناول المقال العلاقة بين الإدارة الإلكترونية والضريبة، كاشفا إمكانية ما يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تحدثه من ثورة في إدارة الأنظمة الضريبية. ويبدأ المقال بتقديم إطار نظري يشرح مفهومي الإدارة الإلكترونية والضريبة، ثم ينتقل إلى استعراض تطبيقات الإدارة الإلكترونية في المجال الضريبي، مثل التصريح والأداء الإلكتروني، والفوترة الإلكترونية، وآليات المراقبة والتحصيل الرقمية. وبعد ذلك، يناقش المقال انعكاسات تبني الإدارة الإلكترونية على فعالية النظام الضريبي، من حيث تحسين الامتثال الضريبي، ومكافحة التهرب الضريبي، وتعزيز الشفافية، وتقليص الإجراءات البيروقراطية. ويختتم المقال بتقديم مجموعة من المقترحات لتعزيز التحول الرقمي في المجال الضريبي، مع التركيز على أهمية تحديث التشريعات، وتعزيز التعاون الدولي، وتبني التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي.
Abstract in English
This article examines the relationship between electronic administration and taxation, revealing the potential of digital technology to revolutionize tax system management. It begins by presenting a theoretical framework that explains the concepts of electronic administration and taxation. The article then moves on to review the applications of electronic administration in the tax field, such as online filing and payment, e-invoicing, and digital monitoring and collection mechanisms. Following this, the article discusses the impact of adopting electronic administration on the effectiveness of the tax system, in terms of improving tax compliance, combating tax evasion, enhancing transparency, and reducing bureaucratic procedures. Finally, the article concludes by offering a set of proposals to promote digital transformation in the tax field, emphasizing the importance of modernizing legislation, strengthening international cooperation, and adopting advanced technologies like artificial intelligence.
مقدمة:
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تطورا متسارعا في مجال التكنولوجيا الرقمية، مما أدى إلى تغيير جذري في طرق إدارة الخدمات العامة، ومنها الإدارة الضريبية. فقد أصبحت الإدارة الإلكترونية ضرورة حتمية في ظل التحولات الرقمية العالمية، حيث تمثل آلية أساسية لتحسين أداء الإدارة الضريبية، سواء من حيث تسهيل التصريح الضريبي، أو تحسين عمليات التحصيل، أو تعزيز الشفافية والفعالية.[1]
وفي ظل هذا التحول الرقمي، أصبحت المنظومة الضريبية تواجه تحديات جديدة تتطلب تكييف آلياتها مع متطلبات العصر الرقمي، خصوصا وأن الدراسات الحديثة أظهرت أن الدول التي تبنت الإدارة الإلكترونية في نظامها الضريبي حققت تحسنا ملموسا في معدلات التحصيل الضريبي وتقليص التهرب الضريبي.[2] كما أن التحول نحو الرقمنة في المجال الضريبي يساهم في تخفيض تكاليف التحصيل وتحسين جودة الخدمات المقدمة للملزمين، [3] إلا أن هذا التحول يفرض أيضا تحديات قانونية تتعلق بحماية البيانات الضريبية، وهو ما يخضع لمقتضيات القانون رقم 09.08 بشأن حماية المعطيات الشخصية.[4]
وفي هذا الإطار، يعد المغرب من الدول التي اتخذت خطوات متقدمة في مجال رقمنة الإدارة الضريبية، حيث أطلقت العديد من المبادرات الرقمية مثل نظام “SIMPL” للتصريح الإلكتروني والأداء عن بعد.[5]
وبالتالي، نهدف من هذا المقال إلى دراسة العلاقة بين الإدارة الإلكترونية والضريبة، عبر تحليل مدى تأثير التحول الرقمي على النظام الضريبي المغربي، ومدى نجاح هذه الآلية في تعزيز الامتثال الضريبي وتطوير السياسات المالية العامة، إذ مع تزايد اعتماد الدول على الإدارة الإلكترونية لتحسين أدائها وتقديم خدمات أفضل للمواطنين، يطرح التساؤل التالي:
ما هي العلاقة بين الإدارة الإلكترونية والضريبة، وكيف يمكن توظيف التكنولوجيا الرقمية لتطوير المنظومة الضريبية وتحقيق أهدافها؟
وعليه، سنسعى من خلال هذا المقال إلى رصد هذه العلاقة من خلال تحليل الإطار النظري للإدارة الإلكترونية والضريبة (المبحث الأول)، ثم دراسة تطبيقات الإدارة الإلكترونية في المجال الضريبي، وانعكاساتها على فعالية النظام الضريبي (المبحث الثاني).
المبحث الأول: الإطار النظري للإدارة الإلكترونية والضريبة
لفهم التحول الرقمي في المجال الضريبي يجب الاستناد على قاعدة معرفية أساسية، وذلك من خلال تحليل العناصر والمفاهيم الأساسية التي تشكل هذا الإطار. حيث سنتناول مفهوم الإدارة الإلكترونية وخصائصها، مسلطين الضوء على دور التكنولوجيا في تحديث الإدارة العامة وتقديم الخدمات (المطلب الأول). لننتقل بعدها إلى تعريف مفهوم الضريبة وأهميتها في النظام المالي والاقتصادي، مبرزين دور الإدارة الضريبية في تطبيق التشريعات الضريبية، وتحصيل الضرائب، ومكافحة التهرب الضريبي (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مفهوم الإدارة الإلكترونية وخاصياتها
يشكل التحول نحو الإدارة الإلكترونية أحد أهم مظاهر التحديث الإداري في العصر الرقمي، حيث أصبحت الحكومات تسعى إلى تطوير خدماتها وتحسين أدائها من خلال الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.[6] ويتطلب فهم هذا التحول الإداري الوقوف على مفهوم الإدارة الإلكترونية (الفقرة الأولى) وأبرز خصائصها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تعريف الإدارة الإلكترونية
تعرف الإدارة الإلكترونية بأنها استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال في تقديم الخدمات الإدارية، بهدف تحسين الكفاءة والجودة وتبسيط الإجراءات.[7] وتشمل الإدارة الإلكترونية مختلف العمليات الرقمية التي تسهل تقديم الخدمات العامة بطريقة أكثر سرعة وفعالية، مثل استخدام الأنترنت والتطبيقات الذكية في إنجاز المعاملات الإدارية.[8]
وقد عرفها البنك الدولي بأنها: “استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من قبل المؤسسات الحكومية لتحويل العلاقات مع المواطنين والشركات وفروع الحكومة الأخرى لتحسين تقديم الخدمات الحكومية وزيادة المشاركة الديمقراطية”.[9]
الفقرة الثانية: خصائص وأهداف الإدارة الإلكترونية
تتميز الإدارة الإلكترونية بعدة خصائص جوهرية، منها تقليل الحاجة إلى الوثائق الورقية، وإمكانية تقديم الخدمات على مدار الساعة، وتوفير بيئة أكثر شفافية وكفاءة.[10] وتتجلى أهم خصائصها في السرعة في إنجاز المعاملات، والدقة في معالجة البيانات، وتقليص التكلفة المادية والزمنية.[11]
وعلى هذا الأساس، تهدف الإدارة الإلكترونية إلى تحقيق حزمة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها:
- تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقاولات.
- تقليل التكاليف التشغيلية وترشيد النفقات العمومية.
- تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطنين من خلال الشفافية والحكامة الجيدة.
- تعزيز رقمنة القطاعات الحكومية لتحقيق التحول الرقمي الشامل.[12]
المطلب الثاني: مفهوم الضريبة ودور الإدارة الضريبية
في ظل التحولات الاقتصادية والرقمية العالمية، أضحت الأنظمة الضريبية تواجه تحديات غير مسبوقة، مما يستدعي إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للضريبة وآليات إدارتها (الفقرة الأولى)، حيث يتطلب هذا التحول فهما عميقا للأبعاد المتعددة للضريبة وأدوار الإدارة الضريبية وأهم تحدياتها في السياق المعاصر (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تعريف الضريبة وأهميتها
تمثل الضريبة أداة مالية واقتصادية واجتماعية متعددة الأبعاد، حيث تتجاوز كونها مجرد اقتطاع مالي إلى كونها آلية لتحقيق التنمية المستدامة. وتتجلى أهميتها في المستويات التالية:
فعلى المستوى المالي والاقتصادي، تشكل الضرائب المورد الأساسي للميزانية العامة، حيث بلغت المداخيل الضريبية في المغرب 234.4 مليار درهم سنة 2023، بزيادة 5.8% مقارنة مع 2022.[13]
كما تمثل الضرائب أداة للتحفيز الاقتصادي من خلال الإعفاءات والتحفيزات الضريبية للقطاعات الاستراتيجية، مساهمة في تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني عبر تحسين مناخ الأعمال،[14] لتلعب بذلك دورا مهما في جذب الاستثمارات الأجنبية من خلال الاتفاقيات الضريبية الدولية.
أما على المستوى الاجتماعي والتنموي، تساهم الضريبة في تمويل برامج الحماية الاجتماعية، حيث خصص المغرب 25% من العائدات الضريبية لتمويل برامج الدعم الاجتماعي سنة 2024.[15]
ناهيك عن أنها تعزز العدالة الاجتماعية من خلال الضريبة التصاعدية على الدخل، ودعم التنمية المستدامة عبر الضرائب البيئية وتحفيز الاقتصاد الأخضر.[16]
وبالنسبة للمستوى التكنولوجي والرقمي، فقد بدأ المغرب في مواكبة التحولات الرقمية عبر فرض ضرائب على الاقتصاد الرقمي، مثل إجراءات فرض الضرائب على الشركات الرقمية العالمية (GAFA)[17] أو المعاملات عبر المنصات الإلكترونية. كما تعمل المديرية العامة للضرائب على تحديث الإطار التشريعي لتنظيم المعاملات عبر المنصات الرقمية، بما يتماشى مع المعايير الدولية، في إشارة إلى تكيفها مع ظهور العملات الرقمية والأصول الافتراضية.[18]
الفقرة الثانية: مهام الإدارة الضريبية والتحديات المعاصرة
تواجه الإدارة الضريبية تحديات متجددة في ظل التحولات العالمية، حيث تتنوع هذه التحديات بين التقنية والتشريعية والاقتصادية، مما يستلزم حلولا لمواكبة هذه التطورات المتسارعة.
فعلى المستوى التقني والرقمي، يصعب تتبع المعاملات الرقمية العابرة للحدود، وهو ما يفرض تحديات كبيرة أمام الإدارة الضريبية. كما تبرز أهمية حماية أمن البيانات والمعلومات الضريبية من الاختراقات والتسريبات، مما يستدعي تعزيز أنظمة الأمان السيبراني. بالإضافة إلى ذلك، يزداد الطلب على تطوير أنظمة ذكية قادرة على تحليل البيانات الضخمة بفعالية لتعزيز عملية المراقبة والكشف عن المخالفات الضريبية.[19]
أما على المستوى التشريعي والتنظيمي، فهناك حاجة ماسة إلى تحديث التشريعات الضريبية لمواكبة التحولات في الاقتصاد الرقمي، خاصة مع ظهور أشكال جديدة من المعاملات المالية التي تتطلب تنظيما أكثر تطورا. كما أن تعقد الاتفاقيات الضريبية الدولية يفرض تحديات في مكافحة التهرب الضريبي العابر للحدود، مما يستدعي تنسيقًا دوليا أكثر نجاعة في مجال الضرائب الرقمية لضمان عدالة النظام الضريبي وتعزيز الامتثال الضريبي على المستوى العالمي.[20]
وفيما يتعلق بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، فإن الأزمات الاقتصادية الدولية تلقي بظلالها على معدلات التحصيل الضريبي، مما يفرض ضغوطا إضافية على الإدارة الضريبية لضمان استدامة الإيرادات العامة. كما أن تنامي الاقتصاد غير المهيكل يجعل من الصعب إخضاع الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية للضريبة، مما يؤدي إلى تفاوت في العبء الضريبي بين الفاعلين الاقتصاديين. وعليه، يصبح من الضروري إيجاد توازن بين العدالة الضريبية وتحفيز الاستثمار لضمان بيئة اقتصادية مستقرة وجاذبة.[21]
ولمواجهة هذه التحديات، تتبنى الإدارة الضريبية حلولا ومقاربات مهمة تهدف إلى تحسين الكفاءة والشفافية في النظام الضريبي. ويتمثل أحد الحلول الرئيسية في تطوير نظام الفوترة الإلكترونية الموحد، الذي يتيح مراقبة المعاملات التجارية بشكل أكثر دقة وشفافية، مما يسهم في الحد من التهرب الضريبي وتحسين الامتثال. كما أن اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي في التحليل الضريبي يساعد في الكشف المبكر عن المخالفات وتحديد المخاطر الضريبية المحتملة بفعالية أكبر. زيادة على ذلك، يتم تعزيز التعاون الدولي في مجال تبادل المعلومات الضريبية، من خلال الانخراط في الاتفاقيات الدولية وتفعيل آليات تبادل البيانات، مما يسهم في بناء نظام ضريبي أكثر عدالة وفعالية على الصعيدين الوطني والدولي.[22]
المبحث الثاني: أثر الإدارة الإلكترونية على المنظومة الضريبية
باعتبارها أداة حديثة تسعى إلى تحسين أداء الإدارة الضريبية وجعلها أكثر كفاءة وفعالية، فإن أثر تبني الإدارة الإلكترونية على المنظومة الضريبية، يبرز في كيفية مساهمة التكنولوجيا الرقمية في تغيير طرق إدارة الخدمات الضريبية، وتسهيل الإجراءات على المكلفين، فضلا عن دورها في تحسين عمليات التحصيل الضريبي وتعزيز الشفافية.
ولتحليل هذا التأثير، سنتناول أولا تطبيقات الإدارة الإلكترونية في المجال الضريبي (المطلب الأول)، بينما نركز في المقام الثاني على انعكاسات هذه التطبيقات على فعالية النظام الضريبي في المجمل (المطلب الثاني).
المطلب الأول: تطبيقات الإدارة الإلكترونية في المجال الضريبي
إن رصد التطبيقات العملية للإدارة الإلكترونية في المجال الضريبي، تستلزم التركيز على كيفية استخدام التكنولوجيا الرقمية لتحسين وتسهيل العمليات والإجراءات الضريبية، وذلك عبر استعراض أمثلة تطبيقية محددة، مثل نظام التصريح الإلكتروني، وأنظمة الدفع الإلكتروني، بالإضافة إلى أنظمة الفوترة الإلكترونية الحديثة (الفقرة الأولى). دون أن نغفل بيان أثر هذه التطبيقات في تبسيط وتسريع المعاملات الضريبية، وتحسين دقة البيانات، ورفع مستوى الشفافية في التعاملات بين المكلفين والإدارة الضريبية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: التصريح والأداء الإلكتروني للضرائب
شهدت منظومة التصريح والأداء الضريبي تحولا جذريا مع تبني الحلول الرقمية المتقدمة. وقد عززت المديرية العامة للضرائب بالمغرب هذا التوجه من خلال تطوير منصة الخدمات الإلكترونية SIMPL (Système Intégré de Maîtrise des Procédures Logistiques)[23] التي تضم مجموعة متكاملة من الخدمات الرقمية.[24]
ويتجلى تطور المنظومة الرقمية الضريبية في عدة مستويات:
التصريح الإلكتروني: تم تعميم التصريح الإلكتروني الإجباري منذ سنة 2023 ليشمل جميع المقاولات والمهنيين، مع تحقيق نسبة امتثال تجاوزت 95% في نهاية نفس السنة.[25]
الأداء الإلكتروني: تم تطوير نظام متكامل للأداء عبر البنوك والأداء المباشر عبر البطاقات البنكية، مع إمكانية جدولة الأداءات وتتبعها آنيا.[26]
نظام الفوترة الإلكترونية: أطلقت المديرية العامة للضرائب سنة 2024 مشروع “e-facture” الذي يهدف إلى رقمنة وتوحيد نظام الفوترة، مما يسهل تتبع المعاملات التجارية ويحد من التهرب الضريبي.[27]
الفقرة الثانية: آليات المراقبة والتحصيل الضريبي عبر الوسائل الرقمية
يمكن القول أن التكنولوجيا الرقمية أحدثت نقلة نوعية في مجال المراقبة والتحصيل الضريبي، عبر تطوير آليات ذكية تعتمد على:
الذكاء الاصطناعي في المراقبة الضريبية: من خلال تطوير خوارزميات متقدمة لتحليل أنماط التصريحات الضريبية وكشف الحالات المشبوهة، واستخدام التعلم الآلي لتحديد المخاطر الضريبية وتوجيه عمليات المراقبة، بالإضافة إلى تحليل البيانات الضخمة (BigData) لتتبع المعاملات المشبوهة والتحويلات المالية غير العادية.[28]
نظام معلوماتي متكامل للتحصيل: ويتمثل عبر إطلاق منصة SIT “”Système Intégré de Taxation لتحسين عمليات التحصيل، وكذا ربط قواعد البيانات الضريبية مع المؤسسات المالية والإدارات العمومية، زيادة على تطوير نظام للإنذار المبكر يحدد حالات التأخر في الأداء.[29]
أما فيما يتعلق بنتائج وآثار الرقمنة، فيلاحظ تحسن نسبة التحصيل الضريبي بنسبة 15% في سنة 2023 مقارنة بالسنة السابقة لها، حيث سجل انخفاض تكلفة التحصيل بنسبة 30%، وتقليص آجال معالجة الملفات الضريبية من 30 يوما إلى 7 أيام.[30]
المطلب الثاني: انعكاسات الإدارة الإلكترونية على فعالية النظام الضريبي
للبحث في الانعكاسات الإيجابية لتطبيق الإدارة الإلكترونية على فعالية النظام الضريبي ككل، يجدر بنا دراسة أثرها على مختلف جوانب عمل المنظومة الضريبية. وعلى هذا الأساس، سنقوم بالتركيز على دور الإدارة الإلكترونية في تحسين الامتثال الضريبي، ومكافحة التهرب الضريبي (الفقرة الأولى)، ثم سنسلط الضوء على أثر هذه الإدارة على شفافية الإجراءات وتقليص البيروقراطية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تحسين مستوى الامتثال الضريبي وتقليل التهرب
أحدثت الإدارة الإلكترونية نقلة نوعية في مستوى الامتثال الضريبي من خلال منظومة متكاملة من الآليات والإجراءات. فقد أظهرت الإحصائيات الرسمية ارتفاعا ملحوظا في نسبة الامتثال الضريبي من 65% سنة 2020 إلى 82% في نهاية 2023، ويرجع هذا التحسن إلى عدة عوامل:[31]
تحسين جودة البيانات الضريبية:
- إنشاء قاعدة بيانات موحدة للملزمين.
- التحقق الآلي من صحة التصريحات.
- الربط الإلكتروني مع المؤسسات المالية والجمارك.[32]
تطوير آليات الرصد المبكر:
- نظام ذكي لتحليل أنماط المعاملات المشبوهة.
- خوارزميات متقدمة لكشف التناقضات في التصريحات.
- تتبع آني للتحويلات المالية الكبيرة.[33]
تعزيز الثقة بين الإدارة والملزمين:
- إطلاق خدمة “الحساب الجبائي الإلكتروني” للشفافية.
- تطوير نظام للإشعارات المسبقة قبل المراقبة.
- توفير خدمة الاستشارة الضريبية عن بعد.[34]
الفقرة الثانية: تعزيز الشفافية وتقليص الإجراءات البيروقراطية
أدى التحول الرقمي إلى إحداث تغيير جذري في مستوى الشفافية والكفاءة الإدارية، حيث تم تقليص الإجراءات الإدارية من خلال خفض مدة معالجة الملفات الضريبية من 45 يوما إلى 5 أيام، وإطلاق نظام “الشباك الإلكتروني الموحد” لجميع الخدمات، واعتماد التوقيع الإلكتروني المؤمن في جميع المعاملات.[35]
كما أدى هذا التحول الرقمي إلى تعزيز الرقابة والمساءلة عبر إنشاء نظام لتتبع مسار المعاملات الضريبية، وتوثيق جميع التدخلات في النظام المعلوماتي، وإطلاق منصة للشكايات والتظلمات الإلكترونية.[36]
أيضا كان لهذا التحول الرقمي بصمة في تحسين جودة الخدمات، ليتم إطلاق تطبيق ذكي للخدمات الضريبية، وتوفير خدمة المساعدة الفورية عبر الذكاء الاصطناعي، ناهيك عن تطوير نظام للدفع الإلكتروني متعدد القنوات.[37]
خاتمة:
خلص هذا المقال الذي تناولنا فيه علاقة الإدارة الإلكترونية بالضريبة، إلى تأكيد الأثر الإيجابي الكبير للتحول الرقمي على تطوير وتحسين أداء الأنظمة الضريبية. فقد بينا كيف ساهمت تطبيقات الإدارة الإلكترونية، مثل التصريح الإلكتروني، والأداء عبر الأنترنت، والفوترة الإلكترونية، في تبسيط الإجراءات، وتقليل التكاليف، وتحسين دقة البيانات، وتعزيز الشفافية في المعاملات الضريبية.
كما أوضحنا كيف عززت الرقمنة من فعالية النظام الضريبي من خلال تحسين مستوى الامتثال الضريبي، ومكافحة التهرب الضريبي، بالإضافة إلى تطوير آليات الرقابة وتحليل البيانات، مما ساهم في تحقيق مستوى أعلى من العدالة والكفاءة في النظام الضريبي.
ومع هذه الإيجابيات، أبرزنا كذلك بعض التحديات التي تواجه تطبيق الإدارة الإلكترونية في المجال الضريبي، كالحاجة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية، وضمان أمن البيانات، ومكافحة الجرائم السيبرانية، وتوفير التدريب اللازم للموظفين والمكلفين على حد سواء.
وفي ضوء ما سبق، نقترح مواصلة جهود التحول الرقمي في المجال الضريبي عبر:
- إحداث منصة وطنية موحدة للخدمات الضريبية الرقمية، تجمع جميع الإجراءات في بوابة إلكترونية واحدة.
- إصدار تشريع خاص بالاقتصاد الرقمي، يحدد كيفية فرض الضرائب على المعاملات عبر الأنترنت.
- تعزيز الذكاء الاصطناعي في المراقبة الضريبية، عبر تطوير أنظمة تحليل بيانات متقدمة لاكتشاف وتتبع التهرب الضريبي.
- إبرام اتفاقيات تبادل المعلومات الضريبية، خاصة مع المنصات الرقمية والشركات العالمية.
إذن، فإن الاستثمار في الإدارة الإلكترونية يمثل ضرورة حتمية لتحقيق نظام ضريبي فعال وعادل ومتكيف مع متطلبات العصر الرقمي، قادر على تحقيق العدالة الجبائية وتحسين مناخ الاستثمار، ودعم النمو الاقتصادي المستدام.
الهوامش:
[1] محمد العربي، الإدارة الإلكترونية ودورها في تحسين الخدمات العمومية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 158، 2023، ص 67-45.
[2] OECD. (2022). Tax Administration 3.0: Digital Transformation of Tax Administration. OECD Publishing, Paris, p. 23-28.
[3] أحمد بنعلي، الرقمنة وأثرها على تحسين التحصيل الضريبي بالمغرب، مجلة القانون والأعمال، العدد 25، 2023، ص.89-102.
[4] ظهير شريف رقم 1.09.15، بتاريخ 23 من ذي القعدة 1429 (18 فبراير 2009)، بتنفيذ القانون رقم 09.08 المعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية عدد 5708، بتاريخ 5 مارس 2009، ص 442.
[5] المديرية العامة للضرائب، التقرير السنوي لأنشطة المديرية العامة للضرائب، 2024، ص 15-18.
[6] المؤتمر الدولي للإدارة الضريبية، توصيات حول تحديث الإدارة الضريبية في عصر الرقمنة، جنيف، 2023، ص 23-45.
[7] محمد الحسن، الإدارة الإلكترونية: مفاهيم ونماذج، مجلة الإدارة العامة، المجلد 63، العدد 2، 2023، ص 125-142.
[8] Bwalya, K. J., & Mutula, S. M. (2023). Digital Government Implementation and Practice in Developing Countries. IGI Global, p. 78-82.
[9] World Bank. (2023). Digital Government and Development. World Bank Group, Washington DC, p. 15.
[10] المنظمة العربية للتنمية الإدارية، التحول الرقمي في الإدارات العمومية العربية، القاهرة، 2023، ص 56 وما يليها.
[11] فاطمة الناصري، خصائص الإدارة الإلكترونية وتطبيقاتها في المغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 160، 2024، ص 78-92.
[12] المرصد الوطني للتحول الرقمي، تقرير حول التحول الرقمي في الإدارات العمومية، 2024، ص 23 وما يليها.
[13] وزارة الاقتصاد والمالية، تقرير حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2023 والتوقعات المحينة لسنة 2024، 2024، ص 28-35.
[14] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تقرير حول دور السياسة الضريبية في تعزيز التنافسية الاقتصادية، 2024، ص 45-62.
[15] الصندوق النقد الدولي، تقرير حول الإصلاح الضريبي والحماية الاجتماعية في المغرب، واشنطن، 2023، ص 18-22.
[16] البنك الدولي، تقرير حول الضرائب البيئية ودورها في التنمية المستدامة: دراسة حالة المغرب، 2024، ص 56-73.
[17] GAFA هو اختصار يشير إلى أكبر أربع شركات تكنولوجية أمريكية وهي:
- Google (جوجل)
- Apple (آبل)
- Facebook (فيسبوك) (الآن Meta ميتا)
- Amazon (أمازون)
ويستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى هيمنة هذه الشركات على سوق التكنولوجيا الرقمية، وغالبا ما يذكر في سياق مناقشات الضرائب على الاقتصاد الرقمي وقضايا مناهضة الاحتكار.
[18] رشيد العلمي، الضريبة في عصر الاقتصاد الرقمي: التحديات والآفاق، المجلة المغربية للمالية العامة، العدد 32، 2024، ص 89-112.
[19] المديرية العامة للضرائب، استراتيجية التحول الرقمي 2024-2028، 2024، ص 15-28.
[20] OECD. (2024). Tax Challenges Arising from Digitalisation – Report on Pillar One and Pillar Two Blueprint. Paris, pp. 125-148.
[21] عمر الحسني، تحديات النظام الضريبي المغربي في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، مجلة القانون والأعمال، العدد 45، 2024، ص 178-195.
[22] المرصد الوطني للتنافسية، تقرير حول أثر الرقمنة على تحسين الأداء الضريبي، 2024، ص 34-52.
[23] تستمد هذه المبادرات الرقمية مرجعيتها من القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، صدر بظهير شريف رقم 1.19.146، بتاريخ 14 من ربيع الآخر 1440 (20 دجنبر 2019)، الجريدة الرسمية عدد 6816، بتاريخ 23 يناير 2020، ص 374.
[24] المديرية العامة للضرائب، تقرير حول تطور الخدمات الإلكترونية الضريبية، 2024، ص 25-28.
[25] المديرية العامة للضرائب، التقرير السنوي، 2024، ص 42.
[26] سعيد بن منصور، تحديث نظام الأداء الضريبي بالمغرب، المجلة المغربية للمالية العامة، العدد 35، 2024، ص 78.
[27] المديرية العامة للضرائب، دليل نظام الفوترة الإلكترونية، 2024، ص 12-15.
[28] محمد العمراني، الذكاء الاصطناعي في خدمة الإدارة الضريبية، مجلة الإدارة الحديثة، العدد 42، 2024، ص 95.
انظر كذلك: كريم بنعبد الله، الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في المجال الضريبي، المجلة المغربية للإدارة الرقمية، العدد 8، 2024، ص 67-85.
[29] المديرية العامة للضرائب، التقرير التركيبي حول رقمنة الإدارة الضريبية، 2024، ص 56.
[30] المرصد الوطني للمالية العامة، تقييم أثر رقمنة الإدارة الضريبية، 2024، ص 34.
[31] المديرية العامة للضرائب، تقرير الأداء السنوي وآفاق التطوير، 2024، ص 34-38.
[32] معهد الدراسات المالية والضريبية، أثر الرقمنة على الامتثال الضريبي: دراسة تحليلية، 2024، ص 56.
[33] المرصد الوطني للتحول الرقمي، تقييم فعالية الأنظمة الرقمية في مكافحة التهرب الضريبي، 2024، ص 78-82.
[34] البنك الدولي، تقرير حول تحديث الإدارة الضريبية في المغرب، 2024، ص 45.
[35] المجلس الأعلى للحسابات، تقرير تقييم أداء الإدارة الضريبية، 2024، ص 92-95.
[36] صندوق النقد الدولي، تقرير المساعدة التقنية حول رقمنة الإدارة الضريبية، 2024، ص 67.
[37] المديرية العامة للضرائب، استراتيجية التحول الرقمي 2024-2028، 2024، ص 23-25.
انظر كذلك: المديرية العامة للضرائب، التقرير السنوي: إنجازات وتحديات التحول الرقمي في المجال الضريبي، 2024، ص 78-92.
