بلجيكا تحتجز نائب رئيس جامعة وجدة في معتقل للمهاجرين السريين بعد محاولته دخول أراضيها بشكل غير قانوني

سابقة قضائية: المحكمة الإدارية بالرباط تقر حق القضاة في الطعن

د.إدريس الفاخوري: مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية.

5 ديسمبر 2017 - 11:14 م Uncategorized , مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

الدكتور إدريس الفاخوري أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق جامعة محمد الأول وجدة.

مقدمة:

يعتبر المحافظ العقاري الفاعل الأساسي في تحريك قواعد التحفيظ العقاري، ليس فقط فيما يتعلق بالإجراءات الرامية إلى تأسيس الرسم العقاري، أي مسطرة التحفيظ، بل أيضا ما بعد اتخاذ قرار التحفيظ، أي مسطرة التقييدات والتشطيبات.

وإذا كان المشرع قد خول للمحافظ صلاحيات جد هامة، ذلك أنه بالإضافة إلى كونه يسهر إداريا على ضمان السير العادي لمصلحة المحافظة العقارية فإنه طبقا للفصل الرابع من القرار الوزيري المؤرخ في 4 يونيو 1915 المتعلق بتسيير مصلحة المحافظة على الأملاك العقارية، وبعض فصول القرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو 1915 المتعلق بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري، يختص بما يلي:

  • النظر في جميع طلبات التحفيظ والقيام بالإجراءات اللازمة بشأنها وكذا إجراءات القيد في السجلات العقارية.
  • فحص طلبات التعرض وقبولها ورفضها وإلغائها.
  • القيام بإجراء سائر التقييدات الواجب قيدها في السجلات العقارية والمتعلقة بالحقوق العينية والتكاليف العقارية، وكذا التشطيبات.
  • إدخال التصحيحات في حالة ارتكاب أخطاء مادية في الرسم العقاري.
  • المحافظة على الوثائق والخرائط العقارية.
  • تسليم الملاك أو ذوي المصلحة الشهادات وكل المعلومات التي يطلبونها والمستمدة من السجلات الموجودة بالمحافظة العقارية.
  • السهر على تنظيم المحاسبة وذلك باستخلاص الرسوم المتطلبة قانونا عن سائر العمليات المطلوبة.

فإنه بالمقابل عمل على التشديد من مسؤولية المحافظ، لكون المهام المنوطة به لها ارتباط وثيق بحق الملكية المنصوص عليه دستوريا[1].

وتعدد مسؤولية المحافظ تبعا لتعدد مهامه واختصاصاته فقد تكون مسؤولية تأديبية أو جنائية أو مالية[2]، كما تخضع مسؤوليته بصفة عامة إلى مقتضيات الفصلين 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود.

غير أننا سنقتصر في هذه المداخلة على مسؤولية المحافظ في إطار مقتضيات ظهير التحفيظ العقاري[3]، مقسمين هذه المداخلة إلى ثلاثة مباحث نتناول في المبحث الأول، المسؤولية الشخصية للمحافظ في إطار الفصل 72 من ظهير التحفيظ العقاري، على أن ندرس في المبحث الثاني المسؤولية الشخصية للمحافظ في إطار الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري، ونخصص المبحث الثالث لمسؤوليته المالية والجنائية. وذلك على الشكل التالي:

  • المبحث الأول: المسؤولية الشخصية للمحافظ في إطار الفصل 72 من ظهير التحفيظ العقاري.
  • المبحث الثاني: المسؤولية الشخصية للمحافظ في إطار الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري.
  • المبحث الثالث: المسؤولية المالية والجنائية للمحافظ على الأملاك العقارية.

المبحث الأول: المسؤولية الشخصية للمحافظ في إطار الفصل 72 من ظهير التحفيظ

نص الفصل 72 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه بمقتضى القانون رقم 07-14 أنه: “يتحقق المحافظ على الأملاك العقارية، تحت مسؤوليته، من هوية المفوت وأهليته وكذا من صحة الوثائق المدلى بها تأييدا للطلب شكلا وجوهرا”.

انطلاقا من هذا النص يلاحظ أن المشرع ألزم المحافظ من التحقق من هوية وأهلية المفوت وهو ما سيكون موضوع المطلب الأول، كما ألزمه من التحقق من صحة الوثائق المؤيدة للطلب شكلا وجوهرا وهو ما سيكون موضوع المطلب الثاني.

المطلب الأول: مراقبة المحافظ لهوية وأهلية الأطراف

ألزم المشرع في الفصل 72 من ظ.ت.ع كما غير وتمم بالقانون رقم 07-14 المحافظ بضرورة التحقق من هوية وأهلية المفوت دون التحقق من هوية وأهلية المفوت إليه، لذلك طالب أحد الباحثين[4]، بضرورة تعديل الفصل المذكور، وذلك بجعل المحافظ مسؤولا عن التحقق من أهلية كل الأطراف المعنية بالتقييد.

غير أنه بالرجوع إلى مقتضيات الفصلين 55 و 69 من ظهير التحفيظ العقاري كما غيرا وتمما بالقانون رقم 07-14 أشار إلى واجب التحقق من أهلية وهوية المفوت إليه.

غير أن هذه الرقابة لا تعدو أن تكون سطحية تقتصر على مقارنة البيانات الواردة في الرسم العقاري مع نظيرتها الواردة في المستندات المدلى به للتقييد، وفي هذا الصدد جاء في قرار لمحكمة الاستثناء بالرباط[5] بأن المحافظ لا يمكنه الوقوف على التغييرات التي تطرأ على الأهلية، إلا من خلال ما يقدم له من وثائق ولا تمتد صلاحيته إلى مراقبة الظروف الخارجية غير المصرح بها من طرف طالب التقييد نفسه إذا كانت تؤدي إلى عيب في أهلية هذا الأخير.

كما تقتصر الرقابة على التحقق من هوية الأطراف بمراقبة صحة الإشهاد في أسفل المحررات، وفي هذا الصدد جاء في قرار للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)[6] أنه: “…. حيث تبين صحة ما عابته الوسيلة على القرار فالمحافظ رفض تقييد عقد البيع المؤرخ في 17-12-1941 لعدم المصادقة على توقيعات طرفيه وتمسك بذلك أمام محكمة الاستئناف وأن القرار المطعون فيه الذي أيد الحكم الابتدائي القاضي بتسجيل العقد المذكور في الرسم العقاري دون أن يتأكد من المصادقة على توقيعات طرفيه ويرد على ما تمسك به الطاعن بشأنه فقط خرق مقتضيات الفصل 73 من ظهير 12/08/1913 بشأن التحفيظ العقاري وتعرض للنقض والإبطال…”.

ولعل من بين أبرز الإكراهات التي لا تسعف المحافظ في تحقيق الرقابة، عدم وجود انسجام بين مقتضيات الحالة المدنية وما هو مدون بالرسم العقاري، ذلك أنه في كثير من الحالات يكون الشخص المقيد بالرسم العقاري متوفى وفق حالته المدنية، وحيا وفق ما هو مدون بالرسم العقاري، كما قد يتم الحكم بتحجير المالك المقيد دون خلق انسجام بين الحكم القضائي وما هو مدرج بالرسم العقاري، كما قد يحدث عدم الانسجام أحيانا بين ما هو مدون بالرسم العقاري وما هو مدون بالسجل التجاري، إذ قد تكون شركة ما في وضعية تسوية أو تصفية قضائية ويتم تقييدها بالسجل التجاري ولا يشار إلى ذلك في السجل العقاري، مما سيطرح التساؤل حول مصير التفويتات التي تمت بعد فتح مسطرة التسوية أو التصفية، وهل سيواجه بها الغير ذي النية الحسنة تطبيقا لمقتضيات الفصل 66 من ظ.ت.ع كما غير وتمم بمقتضى القانون 07-14.

وفي هذا الصدد جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بوجدة[7] أنه: “…وحيث من آثار التصفية غل يد التاجر من التصرف في أمواله… بحيث تنعدم لديه الأهلية في مسائله التجارية، وبالتالي فإن أي تفويت لأمواله التابعة للشركة خارج التصفية القضائية تعد كأنها لم تكن ولا أثر لها في مواجهة الغير وعليه فإن العقد المبرم بين… يكون باطلا وأن التسجيل المؤسس على الرسم المذكور يكون غير مؤسس قانونا، بحيث إن التصريح ببطلان العقد المستند عليه التسجيل يستتبع التشطيب عليه من الرسم المذكور”.

عموما وإن كان المحافظ مسؤولا شخصيا عن مراقبة هوية وأهلية الأطراف، فإن هذه الرقابة تعترضها اكراهات، ينبغي تجاوزها بوضع ضوابط لخلق انسجام بين ما هو مدون بالسجل التجاري والسجل العقاري، وسجلات الحالة المدنية مع هذا الأخير.

المطلب الثاني: مراقبة المحافظ للوثائق المؤيدة للطلب

نص الفصل 72 من ظ.ت.ع كما تم تغييره وتتميمه أنه: “يتحقق المحافظ على الأملاك العقارية تحت مسؤوليته، من هوية المفوت وأهليته وكذا من صحة الوثائق المدلى بها تأييدا للطلب شكلا وجوهرا”.

انطلاقا من هذا الفصل فإن المحافظ ملزم بالتحقق من صحة الوثائق المؤيدة للتقييد شكلا وجوهرا تحت طائلة مسؤوليته الشخصية. غير أن الصيغة العامة التي جاء بها الفصل المذكور، طرحت التساؤل حول المقصود بالوثائق، وما إذا كانت الأحكام القضائية تدخل في زمرتها أم لا، ومن ثمة هل المحافظ مسؤول شخصيا عن مراقبة الأحكام شكلا وجوهرا؟

إن هذا الإشكال يدفع إلى التساؤل حول ما إذا كان المحافظ ينفذ الحكم أم يقيده؟ وفي هذا الصدد جاء في قرار للمجلس الأعلى[8] ما يلي:

وحيث إنه من الضروري وجوب التمييز بين التنفيذ والتقييد الذي يجري على الرسم العقاري فالتقييد على الرسم العقاري يخضع للشروط والمقتضيات التي قررها ظهير 12 غشت 1913 الذي يلزم المحافظ بالتحقق تحت مسؤوليته الشخصية من صحة الوثائق المدلى بها شكلا وجوهرا ومن كون مضمونها لا يتعارض مع مضمون الرسم العقاري المعني ومن كونها غير متوقفة على وثائق أخرى ومن كونها تجيز تقييد الحقوق التي تتضمنها”.

عموما فالرقابة التي يمارسها المحافظ على الأحكام تشمل مراقبة كون نسخة الحكم مشهود بمطابقتها للأصل من طرف كاتب الضبط، وحاملة لتوقيعه وخاتم المحكمة، إضافة إلى ضرورة التأكد من كون الحكم قد اكتسب قوة الشيء المقضي به، استنادا إلى الفصل 37 من ظ.ت.ع كما تم نسخه وتعويضه والفصل 91 من ظ.ت.ع كما تم تعديله وتتميمه.

غير أن التساؤل يثار حول صلاحية المحافظ لمراقبة شواهد التبليغ والذي اعتبره الأستاذ محمد خيري[9] أنه ليس من صلاحية المحافظ مراقبتها لأن مسألة المراقبة تدخل في سلطات كتابة الضبط.

غير أنه رغم وجاهة هذا الرأي فإن الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بمكناس[10]، اعتبر المحافظ مسؤولا عن مراقبة شواهد التبليغ إذ جاء فيه: “… وبذلك وقعت المحافظة العقارية في خطأ تجلى في اعتبارها للشهادة المدلى بها بعدم الطعن رغم أن أجل الطعن لم ينته بعد.

ولم تقم المحافظة بالتحريات اللازمة في قراءة الشهادة المذكورة”.

وبخصوص مدى صلاحية المحافظ لمراقبة الأحكام جوهرا، فهناك من الباحثين من يرى[11] بأن التفسير الواسع للفصل 72 من ظ.ت.ع يسمح باعتبار الحكم القضائي وثيقة تخضع كغيرها من الوثائق لرقابة المحافظ من حيث الجوهر.

في حين هناك من يرى[12] بأن تحقق المحافظ من الوثائق المدلى بها من حيث الجوهر لا يشمل الأحكام القضائية.

وهذا الرأي الأخير تدعمه دورية المحافظ العام رقم 286 الصادرة بتاريخ 26 فبراير 1983[13] ورسالة الأمين العام للحكومة رقم DEL156 بتاريخ 19 يناير 1983 والتي جاء فيها ما يلي: “… بعد استشارة السيد وزير العدل فإنه بالنظر إلى مبدأ فصل السلطتين الإدارية والقضائية ليس من صلاحية المحافظة على الملكية العقارية التحقق من صحة الأحكام القضائية من حيث الجوهر، وعليه أن يقتصر فقط على مراقبة صفتها النهائية والتنفيذية”.

ورغم ذلك فهناك من يرى[14] بأن: “الوضع الخاص والمتميز الذي أراد المشرع أن يعطيه للمحافظ أثناء مسطرتي التقييد أو التشطيب، يجعلني أقول مع جانب من الباحثين[15] أن الرأي الثاني فيه تجاوز على عمومية نص الفصل 72 من ظ.ت.ع وكذا الفصل 97 من ظ.ت.ع بحيث إن المحافظ يبقى المسؤول الوحيد عن فساد وبطلان مستندات التقييد وبالتالي على فساد وبطلان ما ضمن في السجل العقاري”.

“وعليه فالقراءة السليمة للفصل 72 من ظ.ت.ع تفيد بأن عملية التقييد أو التشطيب بناء على أحكام قضائية لا تتم إلا إذا تحقق المحافظ من صحتها شكلا وجوهرا. وأعتقد أن هذا هو الرأي الذي حاول قضاء المجلس الأعلى تكريسه من خلال حيثيات القرار عدد 1027”[16] والذي جاء فيه ما يلي: “إلا أنه في الوضعية الحالية للنزاع فإن المحافظ يتمسك في دفوعه ومستنتجاته بأن الحكم المذكور غير قابل للتقييد على الرسم العقاري لوجود صعوبات مادية وقانونية تحول دون ذلك حددها بكل دقة وتفصيل في جوابه عن المقال.

وحيث إن السؤال المطروح على هامش هذا النزاع هو هل المحافظ رغم وجود هذه الصعوبات يعتبر ممتنعا عن تنفيذ حكم قضائي وبالتالي نكون أمام قرار إداري قابل للطعن والإلغاء.

وحيث إنه من الضروري وجوب التمييز بين التنفيذ والتقييد الذي يجري على الرسم العقاري فالتقييد على الرسم العقاري يخضع للشروط والمقتضيات التي قررها ظهير 12 غشت 1913 الذي يلزم المحافظ بالتحقق تحت مسؤوليته الشخصية من صحة الوثائق المدلى بها شكلا وجوهرا ومن كون مضمونها لا يتعارض مع مضمون الرسم العقاري المعني ومن كونها غير متوقفة على وثائق أخرى ومن كونها تجيز تقييد الحقوق التي تتضمنها.

وحيث إنه كان من المفروض أمام الصعوبات التي أثارها المحافظ وتمسك بها تجاه طلبات المستأنف عليهما أن يلجأ المعنيان بالأمر إلى القاضي الذي أصدر الحكم المذكور لرفع الصعوبات والعراقيل المشار إليها حول طبيعة الحق المراد تقييده ومداه وما إذا كان مفرزا أو شائعا والتأكد من توفر باقي الشروط الأخرى المجيزة لتقييده في الرسم العقاري ذلك أن قاضي الإلغاء يقتصر دوره على مراقبة مشروعية المقرر المطعون فيه ولا يمكنه أن يعوض القرار الملغى بقرار آخر بدلا عنه مما يعني أن هناك دعوى موازية أمام القضاء العادي للبت في النزاع المذكور وأن المحكمة الإدارية قد أخطأت عندما صرحت ضمنيا باختصاصها للبت في الطلب رغم وجود هذه الدعوى الموازية”.

وهذا القرار يشير إلى خصوصية تنفيذ الأحكام عن طريق التقييد أو التشطيب، فالمحافظ يتعامل مع الحكم القضائي من زاويتين، زاوية ضرورة تنفيذه لما يتمتع به من قوة ملزمة، وزاوية ضرورة إخضاعه للمراقبة باعتباره سندا مؤيدا لطلب التقييد أو التشطيب يتحمل المحافظ في حالة قبول هذا الطلب المسؤولية الشخصية عن فساد أو بطلان ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو تشطيب[17]. وقرار المحافظ بالتقييد أو التشطيب اعتمادا على حكم قضائي هو احترام للقوة الملزمة للحكم وتنفيذ له، وقرار المحافظ برفض التقييد أو التشطيب اعتمادا على حكم قضائي ليس بامتناع عن التنفيذ ولا يكون بدافع إنكار القوة الملزمة للحكم بل لوجود مانع قانوني يقف حائلا دون الاستجابة لطلب التقييد أو التشطيب، وقد يكون هذا المانع صعوبة قانونية أو إشكالا قانونيا يفرضه تطبيق القانون نفسه، ورفع هذا المانع قد يكون من مسؤولية المستفيد من الحكم أو القضاء أو المحافظ أو المشرع[18].

المبحث الثاني: المسؤولية الشخصية للمحافظ في إطار الفصل 97 من ظهير التحفيظ

إن الأخطاء التي قد يرتكبها المحافظ العقاري قد تكون مرفقية أو مصلحية وتنسب إلى الدولة، التي تتحمل فيها التعويض استنادا إلى الفصل 79 من ق.ل.ع، وقد تكون شخصية قائمة على التدليس أو الخطأ الجسيم وتنسب إلى المحافظ شخصيا الذي يتحمل فيها المسؤولية طبقا للفصل 80 من ق.ل.ع[19].

غير أن مسؤولية المحافظ وإن كان يؤطرها هذين الفصلين فإنها تخضع بكيفية استثنائية لمقتضيات الفصل 97 من ظ ت ع كما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 07-14 الذي عدد مجموعة من الأخطاء الشخصية سنتناولها في هذا المبحث من خلال تقسيمه إلى مطلبين نتناول في المطلب الأول نطاق تطبيق الفصل 97 من ظهير التحفيظ، على أن نتناول في المطلب الثاني أوجه الخطأ الشخصي للمحافظ طبقا للفصل 97 من ظهير التحفيظ.

المطلب الأول: نطاق تطبيق الفصل 97 من ظهير التحفيظ

عدد الفصل 97 من ظ ت ع كما تم تغييره وتتميمه مجموعة من الأخطاء التي تثير مسؤولية المحافظ الشخصية، غير أن هذا التعداد لا يفهم منه أن الأخطاء الأخرى غير المنصوص عليها في الفصل المذكور لا يسأل عنها المحافظ، بل تبقى خاضعة للقواعد العامة أي مقتضيات الفصلين 79 و 80 من ق.ل.ع، وفي هذا الصدد جاء في قرار للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)[20] أن: “المحافظ على الملكية العقارية الذي ينشئ رسما عقاريا لمساحة تحمل أصلا رسما عقاريا يكون قد ارتكب خطأ جسيما لأنه لا يمكن تخصيص رسمين عقاريين لعقار واحد مسؤولية المحافظ في هذه الحالة تكون قائمة على أساس الفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود…”

كما جاء في قرار آخر[21] أنه: “… وحيث إن المحافظ على الأملاك العقارية الذي ينشئ رسما عقاريا للأرض دون تحديد مساحتها من مصلحة الهندسة الطبوغرافية يكون قد ارتكب خطأ جسيما وتكون مسؤوليته في هذه الحالة قائمة على أساس الفصل 80 من ق.ل.ع…”.

وقد اعتبر أحد الباحثين[22] أن حالات الأخطاء المنصوص عليها في الفصل 97 من ظ.ت.ع ما هي إلا تطبيقا للفصل 80 من ق.ل.ع، ذلك أن الأخطاء الشخصية التي عددها الفصل 97 من ظ.ت.ع تتأسس على معيار جسامة الخطأ الذي جاء به الفصل 80 من ظ.ت.ع.

وهو ما أقره المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)[23] في قرار له جاء فيه: “… إن مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية تنظمها المادة 97 من قانون التحفيظ العقاري وهي مسؤولية شخصية سواء تعلق الأمر بسهو في تقييد حق أو تضمين تقييد احتياطي والتشطيب عليه، وهي مسؤولية نص عليها كذلك الفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود…”.

وقد أثير الخلاف حول نطاق تطبيق مقتضيات الفصل 97 من ظ.ت.ع وما إذا كان يشمل جميع العمليات التي يقوم بها المحافظ بما في ذلك التحفيظ والتقييد بالسجلات العقارية، حيث هناك من[24] يحصر نطاقه في مرحلة التقييدات أي المرحلة اللاحقة على تأسيس الرسم العقاري، مستندين على كون هذا الفصل ورد في القسم الثاني المتعلق بإشهار الحقوق العينية العقارية المترتبة على العقارات المحفظة وتقييدها في السجل العقاري، كما أن عباراته تدل على أن المقصود هو العقار المحفظ، كما استدل أصحاب هذا الرأي بكون مقتضيات الفصل الخامس من القرار الوزيري الصادر في 4 يونيو 1915 التي تنص على أن مسؤولية المحافظ العقاري تؤطرها كقاعدة عامة مقتضيات الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع واستثناء مقتضيات الفصل 97 من ظ.ت.ع وبالتالي لا يجوز توسيع الاستثناء.

غير أن ما يؤخذ على هذا الاتجاه هو أنه لا يحدد الخانة التي يمكن أن ندرج فيها الإيداعات طبقا للفصل 84 من ظ.ت.ع، فهو إيداع يقع في المرحلة التي يكون فيها العقار في طور التحفيظ، فهل في هذه الحالة تقوم مسؤولية المحافظ على أساس الفصل 97 من ظ.ت.ع أم ينبغي اللجوء إلى مقتضيات الفصل 80 من ق.ل.ع؟

نعتقد أن الفصل 97 من ظ.ت.ع وإن عدد الحالات التي تكون فيه مسؤولية المحافظ شخصية، وبالتالي فهو استثناء من الفصل 80 من ق.ل.ع والاستثناء لا يجوز التوسع فيه، ومع ذلك يجب إدراج الإيداعات المصاحبة لعملية التحفيظ ضمن مقتضيات الفصل 97 من ظ.ت.ع.

بينما هناك[25] من وسع من نطاق الفصل 97 من ظ.ت.ع حيث يمتد ليشمل المرحلة السابقة للتحفيظ واللاحقة له وسندهم في ذلك أن المحافظ ملزم بالتحقق من الوثائق المدلى بها سواء على مستوى التحفيظ أو التقييد، ومن ثمة المساءلة تشمل المرحلتين.

المطلب الثاني: أوجه الخطأ الشخصي للمحافظ طبقا للفصل 97 من ظهير التحفيظ

نص الفصل 97 من ظ.ت.ع كما تم تغييره وتتميمه بمقتضى القانون رقم 07-14 على أنه:

“إن المحافظ على الأملاك العقارية مسؤول شخصيا عن الضرر الناتج عن:

  1. إغفال التضمين بسجلاته لكل تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي أو تشطيب طلب منه بصفة قانونية؛
  2. إغفال التضمين بالشهادات أو نظائر الرسوم العقارية المسلمة والموقعة من طرفه لكل تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي أو تشطيب مضمن بالرسم العقاري؛
  3. فساد أو بطلان ما ضمنه بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي أو تشطيب ما عدا الاستثناء المذكور في الفصل 73.

والكل مع مراعاة مقتضيات الفصلين 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود”.

إن المشرع عدد في هذا الفصل الحالات التي تثير مسؤولية المحافظ الشخصية[26]، وبالرجوع إلى هذه الحالات يلاحظ أن المشرع اتجه نحو جعل السجلات العقارية مرآة تعكس الوضعية الحقيقية للعقار وذلك لزرع الثقة بين المتعاملين العقاريين، وبالتالي فأي إغفال شاب السجل العقاري يوجب مسؤولية المحافظ الشخصية، ذلك أن المحافظ وبمقتضى الفصل 75 من ظ.ت.ع كما تم تغييره وتتميمه ينجز كل تقييد بالرسم العقاري ببيانات موجزة ويؤرخ هذا التقييد ويوقعه تحت طائلة البطلان، ومن ثمة فأي تقصير من جانبه يمكن أن يثير مسؤوليته نظرا لجسامة هذا التقصير، لكونه يهدد الدعائم الأساسية التي يقوم عليها نظام التحفيظ العقاري.

وإلى جانب هذا الإغفال هناك الإغفال الوارد على مستوى الشهادات والنظائر، التي تعتبر من الوسائل الموضوعة رهن إشارة زبناء المحافظة العقارية، تمكنهم من الاطلاع على الوضعية الحقيقية للعقار قبل إبرام أي تصرف بخصوصها، ومن ثمة فأي إغفال يشوبها سيكون له تأثير سلبي على استقرار المعاملات.

إضافة إلى الحالتين المذكورتين تضمنت الفقرة الأخيرة من الفصل 97 من ظ.ت.ع مسؤولية المحافظ المتعلقة بفساد وبطلان ما ضمن بالرسم العقاري، ومن ثم يكون المحافظ ملزما بإجراء رقابة عامة ودقيقة لطلبات التقييد أو التشطيب أو التقييد الاحتياطي تحت طائلة مسؤوليته وهو ما أكده الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بوجدة[27] إذ جاء فيه: “وحيث لما كان المدعي يقاضي المحافظ على الأملاك العقارية بصفة شخصية باعتباره مسؤولا عن الضرر الناتج عن فساد وبطلان ما ضمن بالكناش العقاري من تقييد أو تشطيب كما هو مبين بالوقائع أعلاه بحيث نسب إليه الخطأ مباشرة في الوقت الذي لا ينسب فيه أي خطأ للإدارة (المحافظة العقارية) كشخص من أشخاص القانون العام…”.

المبحث الثالث: المسؤولية المالية والجنائية للمحافظ على الأملاك العقارية.

إلى جانب مسؤولية المحافظ المدنية السابق دراستها، والتي تثار بناء على مقتضيات الفصلين 72 و 97 من ظ.ت.ع والفصلين 79 و 80 من ق.ل.ع، تقوم مسؤوليته كذلك كمحاسب عمومي، كما يمكن إثارة مسؤوليته الجنائية. وهذا ما سنبحثه في المطلبين التاليين، حيث نخصص الأول منهما لدراسة مسؤولية المحافظ كمحاسب عمومي، على أن نتناول في المطلب الثاني مسؤولية المحافظ الجنائية.

المطلب الأول: مسؤولية المحافظ كمحاسب عمومي

طبقا للفصل الرابع من القرار الوزيري المؤرخ في 4 يونيو 1915 المنظم لمصلحة المحافظة على الملكية العقارية الذي ينص في فقرته الخامسة على أن المحافظ يتولى تحصيل الرسوم المفروضة على الاستفادة من مختلف الإجراءات المطلوبة من المحافظة، والتي هي محددة حاليا بمقتضى مرسوم 30 يونيو 1997[28] المتعلق بتعريفة رسوم المحافظة على الأملاك العقارية.

فالمحافظ بصفته محاسبا عموميا مطالب باستخلاص جميع الرسوم المستحقة عن عمليات التحفيظ أو التقييد أو التشطيب وكذا عن كل الخدمات الأخرى التي تقدمها المحافظة العقارية.

ونظرا لصفته كمحاسب عمومي فهو مطالب قبل أداء مهامه أن يؤدي يمينا قانونية بهذه الصفة في جلسة علنية لدى محكمة الاستئناف وصيغتها ما يلي: “أقسم بالله العظيم أن أدير بصدق وأمانة الأموال والقيم العامة المودعة لدي وأن أتقيد بالقوانين والأنظمة التي تستهدف السهر على حصانة هذه الأموال والقيم واستعمالها بصورة مشروعة”[29].

وإلى جانب أداء المحافظ لهذه اليمين كمحاسب عمومي فهو يؤدي يمينا أخرى بصفته محافظا في جلسة علنية أمام المحكمة الابتدائية وصيغتها ما يلي: “أقسم بالله العظيم أن أقوم بمهامي بإخلاص وأن أنجزها بدقة وأمانة وأن أراعي في كل الأحوال الواجبات المهنية التي تفرضها علي”[30].

واعتبارا كذلك لكون المحافظ محاسبا عموميا فقد نص الفصل 110 من ظهير التحفيظ العقاري الذي أضيف بمقتضى القانون رقم 07-14 على ما يلي: “يباشر المحافظ على الأملاك العقارية استخلاص الوجيبات التكميلية أو غير المؤداة والغرامات والذعائر وفق الشروط المنصوص عليها في القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية”.

وهذا المقتضى الجديد أعطى للمحافظ الصلاحية في استعمال مقتضيات مدونة تحصيل الديون العمومية لاستخلاص رسوم المحافظة غير المؤداة كلما تطلب الأمر ذلك.

المطلب الثاني: مسؤولية المحافظ الجنائية.

وفي هذا الصدد نذكر على سبيل المثال مقتضيات الفصل 241 من القانون الجنائي التي تنص على مايلي: “يعاقب بالسجن من خمس إلى عشرين سنة وبغرامة من خمسة آلاف إلى مائة ألف درهم كل قاض أو موظف عمومي بدد أو اختلس أو احتجز بدون حق أو أخفى أموالا عامة أو خاصة أو سندات تقوم مقامها أو حججا أو عقودا أو منقولات موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته أو بسببها.

فإذا كانت الأشياء المبددة أو المختلسة أو المحتجزة أو المخفاة تقل قيمتها عن مائة ألف درهم، فإن الجاني يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وبغرامة من ألفين إلى خمسين ألف درهم”.

وهنا نستحضر قضية أحد المحافظين الذي توبع من أجل جريمة تبديد أموال عمومية عند رفضه تقييد حكم جنائي بالمصادرة، حيث جاء في قرار محكمة الاستئناف بطنجة[31] ما يلي: وقد تقرر تبعا لهذه الشكاية متابعة كل من السيد المحافظ والسيد ………. أمام غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بطنجة في الملف الجنائي الابتدائي رقم 577-07-13 وأسفرت المحاكمة عن إدانة المتهم الأول المحافظ على الأملاك العقارية ومعاقبته بسنتين حبسا موقوفة التنفيذ بعد مؤاخذته من أجل جرائم تبديد أموال عامة بدون حق والتصرف في أموال غير قابلة للتفويت وذلك بإساءة السلطة والتحايل مما سهل ارتكاب جناية تبديد أموال عامة، كما تمت إدانة المتهم الثاني ……….. معاقبته بنفس العقوبة بعد مؤاخذته من أجل المشاركة في تبديد أموال عامة بدون حق والتصرف في أموال غير قابلة للتفويت وذلك بالتحايل والتدليس الإجرامي مما سهل ارتكاب جناية تبديد أموال عامة … .

ونشير كذلك إلى أن قرار محافظ طنجة برفض تقييد قرار المصادرة كان محل طعن أمام القضاء العادي في إطار الفصل 96 من ظ.ت.ع حيث حكمت المحكمة الابتدائية بطنجة[32] برفض طلب الطعن وأيدت قرار المحافظ.

ومن الحيثيات المهمة الواردة في الحكم المذكور نذكر ما يلي: رفض المحافظ تقييد قرار المصادرة معلل، بكون الدولة في شخص المدير الجهوي للأملاك المخزنية لم تدل بما يفيد استيفاء الشروط القانونية المنصوص عليها في الفصول 506 و 507 و 500 من قانون المسطرة الجنائية حتى يصبح قرار المصادرة ساري المفعول في حق المحكوم عليه خاصة الشرط الأخير المتعلق بتعليق القرار في الأماكن المخصصة لذلك بمحكمة الاستئناف.

لا يوجد ضمن مقتضيات ظهير 12 غشت 1913 أي مقتضى يسمح للمحافظ بالقيام بأي تسجيل أو تشطيب استنادا إلى علمه اليقيني كما لا يوجد أي مقتضى يضع العلم اليقيني للمحافظ موضع القانون ولا يمكن مخالفة ما يقضي به نص قانوني إلا بتعديله أو إلغائه بنص قانوني يعادله أو يفوقه مرتبة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينزل العلم اليقيني للمحافظ منزلة القانون.

وفي هذا الصدد نشير كذلك لمقتضيات الفصل 266 من القانون الجنائي المتعلق بتحقير مقرر قضائي والفصل 308 من القانون الجنائي المتعلق بمقاومة أشغال أمرت بها السلطة العامة، حيث سبق لبعض المتقاضين أن لجؤوا لهذه المقتضيات لمتابعة المحافظ جنائيا بمناسبة رفضه تنفيذ أحكام قضائية، غير أن القضاء لم يستجب لمثل هذا النوع من الادعاءات لبعد قرار المحافظ برفض تنفيذ مقرر قضائي لوجود صعوبة وقتية أو موضوعية، أو إشكال قانوني، عن جنحتي تحقير مقرر قضائي أو مقاومة أشغال أمرت بها السلطة العامة[33].

والموقف القضائي المذكور نلمسه من خلال القضية الجنحية التي صدرت فيها الأحكام التالية: – حكم المحكمة الإبتدائية بصفرو[34] والذي جاء فيه ما يلي: “حيث توبع الضنين من أجل تحقير مقررات قضائية طبقا للفصل 266 من ق.ج ومقاومة أشغال أمرت بها السلطة العامة طبقا للفصل 308 من نفس القانون.

حول تهمة تحقير مقررات قضائية:

ينص الفصل 266 من القانون الجنائي على أنه يعاقب بالعقوبات المقررة في الفقرتين الأولى والثالثة من الفصل 263 على: الأفعال أو الأقوال أو الكتابات العلنية التي يقصد منها التأثير على قرارات رجال القضاء…

فالعناصر التكوينية لهاته الجريمة هي:

أفعال أو أقوال أو كتابات علنية.

الهدف المقصود وهو التأثير على قرارات القضاء.

ج- أن يقع ذلك قبل صدور حكم غير قابل للطعن في القضية

هـ- النية الجرمية.

فهذه الأفعال لا يمكن أن يسري مفعولها على التعليق على حكم ولا على الأفعال والأقوال التي ترمي إلى مراجعة حكم أو عدم تنفيذه لكون ديباجة الفصل 266 من ق.ج تنص على التأثير على قرارات رجال القضاء أي الأفعال الصادرة من الجاني قبل صدور الحكم وهو ما لا ينطبق على نازلة الحال مما يتعين معه عدم مؤاخذة الظنين من أجل هاته التهمة لعدم توافر عناصرها.

حول تهمة مقاومة أشغال أمرت بها السلطة العامة:

ينص الفصل 308 من القانون الجنائي على أنه يعاقب…كل من قاوم تنفيذ أشغال أمرت بها السلطة العامة أو صرحت بها.

فالعناصر التكوينية لهاته الجريمة هي:

فعل مقاومة بواسطة الإيذاء.

أن تتعلق المقاومة بأشغال أمرت بها السلطة العامة أو صرحت بها.

ج- النية الجرمية.

ولقيام هاته الجنحة يكفي أن يكون هناك عنف يبين على أن مرتكبيه يريدون معارضة التنفيذ أما الفقرة الثانية من الفصل المذكور فهي تنص على أنه يعاقب…الأشخاص الذين يعرضون على تنفيذ هذه الأشغال بواسطة التجمهر أو التهديد أو العنف.

فالفقرة الأولى تهم الأفعال التي يقوم بها شخص واحد أما الثانية فتعاقب على العصيان الذي يرتكبه عدة أشخاص.

ويتضح من كل ما سبق أن العناصر التكوينية للجريمتين المتابع من أجلهما الظنين غير متوافرة في النازلة مما يجعل العنصر الجنائي منعدم وتكتسي القضية صبغة مدنية الشيء الذي يتعين معه عدم مؤاخذة الظنين من أجلهما.

وحيث إن التصريح بالبراءة يستتبع القول بعدم الاختصاص في الطلبات المدنية.

لهذه الأسباب:

أصدرت المحكمة وهي تبت في القضايا الجنحية علنيا ابتدائيا وبمثابة حضوري الحكم الآتي نصه:

بعدم مؤاخذة الظنين من أجل المنسوب إليه والتصريح ببراءته وتحميل الخزينة العامة الصائر وبعدم الاختصاص في الطلب المدني”.

– قرار محكمة الاستئناف بفاس[35]، والذي جاء فيه ما يلي: “وحيث إن امتناع السيد المحافظ العقاري عن تقييد رسم شراء المطالب بالحق المدني لا يشكل جريمة تحقير مقرر قضائي على اعتبار أن المتهم لم تصدر منه أية أفعال أو أقوال اتجاه أي حكم قضائي من شأنها أن تحط من الاحترام والالتزام الواجب تجاه هيبة العدالة يقصد منه التأثير على قرارات رجال القضاء قبل صدور الأحكام غير القابلة للطعن أو المس بسلطتهم واستقلالهم. وهو ما أكده المجلس الأعلى في العديد من قراراته ومنها القرارات التي أدلى بنسخة منها دفاع المتهم (قرار عدد 6817 بتاريخ 26/7/90 وعدد 1182 بتاريخ 11/7/1995 وعدد 740/4 بتاريخ 12/7/1995 وعدد 9979/3 بتاريخ 21/4/1998 ويبقى بالتالي الحكم المستأنف القاضي ببراءته في هذا الجانب مصادف للصواب ويتعين تأييده.

وحيث إن تهمة مقاومة أشغال أمرته بها السلطة غير ثابتة هي الأخرى في حق المتهم لعدم توفر عناصرها، وهي أن تكون هناك أولا أشغال مأمور بها. وهو ما لا يتوفر في نازلة الحال إذ الأمر يتعلق بتنفيذ حكم. وأن تكون هناك مقاومة ضد تنفيذ هذه الأشغال، وهو أمر غير متوفر في القضية ويبقى بالتالي الحكم المستأنف القاضي بالبراءة في هذا الجانب مصادف للصواب ويتعين تأييده”.

– قرار المجلس الأعلى[36]، والذي جاء فيه ما يلي: “في شأن وسيلة النقض الثانية المتخذة من خرق الفصل 266 من القانون الجنائي، ذلك أن المحكمة قضت بأن فعل المطلوب في النقض لا يشكل تحقيرا لمقرر قضائي رغم أن تبرير الامتناع عن التنفيذ لا يراد منه إلا المس بقدسية الأحكام إذ أنه تارة يتذرع بالنقض في القرار المطلوب تنفيذه وتارة يتذرع باستحالة التنفيذ متجاوزا بذلك اختصاصاته وأن المحكمة بعدم اعتبارها لذلك تكون خرقت الفصل 266 من القانون الجنائي وعرضت قرارها للنقض.

وحيث إنه فضلا عن أن ما ينعاه الطاعن في وسيلته ينصرف إلى الدعوى العمومية والحال أن صفته كمطالب بالحق المدني تجعل طعنه منحصرا في الدعوى المدنية التابعة عملا بمقتضى المادة 533 من قانون المسطرة الجنائية فإن المحكمة عندما عللت قرارها بأن ما صدر عن المطلوب في النقض مجرد امتناع عن التنفيذ لا يرقى إلى حد تحقير المقررات القضائية تكون عللت ما انتهت إليه في قرارها تعليلا سليما ولم تخرق الفصل المحتج به في شيء وتكون الوسيلة على غير أساس”.

ويتضح مما سبق أن القضاء بمختلف درجاته في القضية الجنحية المومأ إليها أعلاه لم يدن المحافظ أثناء ممارسة اختصاصاته في تنفيذ المقررات القضائية بالجنحتين المذكورتين وحسنا فعل ونؤيد هذا التوجه.

ومن هذا المنبر ندعو السادة المحافظين إلى الانتباه والتعامل بحذر شديد مع كل القضايا التي يمكن أن تثير مسؤوليتهم الجنائية. وندعو كذلك القضاء والقضاء الجنائي خاصة إلى التعامل بخصوصية شديدة مع قرارات المحافظ، لمسؤولية المحافظين الشخصية عن قراراتهم ولخصوصية اختصاصاتهم في المنظومة القانونية المغربية.

خاتمة:

موازاة مع الاختصاصات التي يباشرها المحافظ العقاري والقرارات المهمة التي ينفرد بها يتحمل في مقابل ذلك مسؤولية خطيرة لا توازيها مسؤولية أي موظف آخر ناتجة بالدرجة الأولى عن طبيعة عمله وجسامة مهمته[37].

فالمحافظ مسؤول شخصيا عن قراراته بالتحفيظ أو التقييد أو التشطيب، كما أنه مسؤول كمحاسب عمومي وكموظف عمومي.

إلا أنه بالرغم من كون المحافظ فاعل أساسي في تفعيل نظام التحفيظ، فإن هذا الدور لا ينفي تعاون مجموعة من المؤسسات نص عليها القانون لتفعيل هذا النظام، ومن أهمها مصلحة المسح العقاري، والقضاء والسلطات المحلية ومحررو العقود … الخ، ولذلك لا بد من تشطير المسؤولية على جميع هذه المؤسسات.

وفي الختام نؤكد على الدور الريادي للمحافظين في تثبيت حق الملكية العقارية المحمي دستوريا ببلادنا منذ ما يقارب نصف قرن من الزمن، وبمقتضى ظهير التحفيظ العقاري منذ ما يقارب قرنا من الزمن.

الهوامش:

  1. – الفصل 35 من الدستور.
  2. – محمد خيري، قضايا التحفيظ في التشريع المغربي، مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الخامسة 2009، ص:597
  3. ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري كما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 14.07 المنفذ بالظهير الشريف رقم 1.11.177 الصادر بتاريخ 22 نوفمبر 2011، المنشور ب ج.ر.ع 5998 بتاريخ 24 نوفمبر 2011.
  4. -Mohamed Chanan, les principes directeurs de la publicité foncière et leur incidence sur les droits réels immobiliers en droit Marocaine Mémoire pour le diplôme des études supérieures de droit privé, faculté des sciences juridiques économiques et sociales, université Hassan 2 ,Casablanca 1979-1980p :31
  5. – قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط عدد،1070 بتاريخ 19/06/1913 أوردته فاطمة الحروف “حجية القيد في السجل العقاري رسالة لنيل د دع م في القانون الخاص كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –جامعة محمد الخامس الرباط السنة الجامعية 1993- 1994. ص 232.
  6. – قرار المجلس الأعلى رقم 1031 ملف مدني عدد 616/1/1/99 بتاريخ 08/03/2000 أشار إليه عزيز الزهراوي الخطأ الشخصي للمحافظ على الأملاك العقارية والرهون رسالة لنيل دبلوم في القانون الخاص وحدة التكوين والبحث في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة، السنة الجامعية 2006-2007، ص: 36.
  7. – قرار محكمة الاستئناف بوجدة رقم 1430 ملف عدد 1053/04 بتاريخ 12/11/2008 غير منشور.
  8. – قرار المجلس الأعلى عدد 1027 ملف إداري عدد 747/4/1/99 بتاريخ 06/07/2000، أشار إليه كمال عونة، سلطات المحافظ في مراقبة مستندات التقييد بين المشروعية والرقابة القضائية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، وحجة التكوين والبحث في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة، السنة الجامعية 2003-2004، ص: 46.
  9. – محمد خيري، م.س، ص: 324.
  10. – حكم المحكمة الإدارية بمكناس، ملف رقم 70/2002/ 3 غ رقم 24/2003/3 غ بتاريخ 06/02/2003 أشارت إليه سمرة محدوب الازدواجية الإجرائية أمام قضاء التحفيظ العقاري على ضوء العمل القضائي ومستجدات القانون رقم 07-14 أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص وحدة التكوين والبحث في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول بوجدة، السنة الجامعية 2012-2013، ص 280.
  11. Abdelaziz Bentoumi, Vérification des décisions judiciaires, Bulletin de liaison, N°6, Avril 1987, P 6.
  12. – عبد الحفيظ أبو الصبر، مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية والرهون بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم السلك العالي للمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، الرباط، السنة الجامعية 1992- 1993، ص 107. – فاطمة الحروف، م.س، ص 243.
  13. للاطلاع على الدورية أنظر:Recueil des principales circulaires en vigueur 1917_2011, conservateur général, Agence national de direction de la conservation foncière du cadastre et de la cartographie, septembre 2011, p 269.
  14. كمال عونة، تنفيذ المحافظ على الأملاك العقارية للمقررات القضائية، بين تطبيق العامة والخاصة وعلى ضوء مستجدات القانون رقم 07-14، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة، السنة الجامعية 2012-2013، ص 220.
  15. رضوان دزاري، المحافظ بين المسؤولية المدنية والإدارية، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في القانون المدني، كلية الحقوق، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2001- 2002، ص 98.
  16. قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 6 يوليوز 2000 مشار إليه سابقا.
  17. الفصلان 72 و 97 من ظ.ت.ع كما عدلا وتمما بالقانون رقم 07-14.
  18. كمال عونة، تنفيذ المحافظ على الأملاك العقارية للمقررات القضائية، م.س، ص 222.
  19. إدريس الفاخوري، نظام التحفيظ العقاري وفق مستجدات القانون رقم 07-14، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة المعارف القانونية والقضائية، مطبعة دار نشر المعرفة الرباط، طبعة 2013، ص 181 وما بعدها.
  20. – قرار المجلس الأعلى رقم 148 ملف إداري عدد 1/5/1/95 بتاريخ 29/02/1996، منشور خاص بإدارة المحافظة على الأملاك العقارية والمسح العقاري والخرائطية ص 49.
  21. – قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) رقم 895 ملف إداري عدد 975/4/2/2004 بتاريخ 14/12/2005 أشار إليه عزيز الزهراوي، م س، ص 28.
  22. – عبد الحفيظ أبو الصير، الخطأ الشخصي للمحافظ بين الخصوصية والخضوع للمبادئ العامة، مجلة التحفيظ العقاري العدد 5 أكتوبر 1995 ص 14.
  23. – قرار المجلس الأعلى عدد 878 المؤرخ في 07/02/2005 ملف إداري عدد 2858/4/2/2003 و 2859/4/2/2003 أشارت إليه هناء خرشوش المسؤولية الشخصية للمحافظ بين النص التشريعي والواقع العملي رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون العقود والعقار كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة محمد الأول وجدة السنة الجامعية 2007-2008 ص 17.
  24. – Khalid lyazidi : la responsabilité du conservateur colloque organisé sur le régime de l’mmatriculation foncière au Maroc –Rabat le 4 et 5 mai 1990 p 19 .فاطمة الحروف، م س، ص 943.
  25. – Paul Decroux : Droit Foncière Marocain- Edition la porte . imp, EL Maarif Al Jadida Rabat 1977, P 3 .
  26. إدريس الفاخوري، نظام التحفيظ العقاري وفق مستجدات القانون رقم 07-14، م.س، ص 181 و 182.
  27. – حكم رقم 134 ملف رقم 605/ 2003 بتاريخ 25/05/2004 أشارت إليه هناء خرشوش، م.س، ص 35.
  28. مرسوم رقم 2.97.358، ج.ر.ع 4495 بتاريخ 30 يونيو 1997.
  29. يؤدي هذه اليمين إلى جانب المحافظ، نائبه المحافظ المساعد.
  30. يؤدي هذه اليمين إلى جانب المحافظ، نائبه المحافظ المساعد، والمحافظ المكلف بالتحفيظ.
  31. قرار محكمة الاستئناف بطنجة عدد 259 بتاريخ 27/05/2008، غير منشور.
  32. حكم المحكمة الابتدائية بطنجة بتاريخ 20/11/2008 في الملف رقم 4205/06/13، غير منشور.
  33. كمال عونة، تنفيذ المحافظ على الأملاك العقارية للمقررات القضائية، م.س، ص 357.
  34. حكم مؤرخ في 9/2/2004 صادر في الملف الجنحي العادي رقم 1842/03، أشار إليه كمال عونة، م.س ص 358.
  35. قرار مؤرخ في 12/7/2004، عدد 6044/2004، صادر في الملف الجنحي عدد 3684/04، ، أشار إليه كمال عونة، م.س ص 358 و359.
  36. قرار مؤرخ في 5/1/2005، عدد 33/7، صادر في الملف الجنحي رقم 23645/04، أشار إليه كمال عونة، م.س ص 359.
  37. – أحمد أجعون، المحافظ العقاري، اختصاصاته، مسؤولياته، ووضعيته الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 54-55 يناير- أبريل 2004 ص 183.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً